للإعلان راسلونا عبر info@animetherapy.net

مقابلة إينوي 2

الجزء الثاني من مقابلة رسام التحريك المثالي توشيوكي إينوي. تجدون الجزء الأول هنا.

 

المقدم: هلّا تحدثنا قليلًا عن مُختلف مهام الأنميشن التي عملت عليها على مر الأعوام؟

إينوي: من الصعب تذكر شيء معين، لكن ما يحصل ببساطة أنني لا أضطر للبحث عن مهمة في كل مرة أشعر فيها بأني عالق، لأن المهمة هي من تجد طريقها إلي.

المقدم: معنا هنا كوسوكي كاوازورا – Kosuke Kawazura، أحد رساميّي المفتاحيين الذين عملوا على غوست إن ذا شيل – GITS:SAC، أتاني ذات مرة بمشهد معين وقال لي: “لا يمكنني رسم هذا.” ما الذي كنت تواجه فيه صعوبة على وجه التحديد؟

إينوي: قد يكون من الصعب التعبير عن ذلك بالكلمات.

كاوازورا: لقد اكتشفت أين تكمن المشكلة، في مهارتي في الرسم.

إينوي: قد تكون هذه التجربة صعبة جدًا، ألّا تتمكن من تطوير مهارتك في الرسم، أو ألّا تتمكن من رسم الأشياء بالصورة التي تريدها. ولكن، مع أن هذا يبدو غريبًا، فإن هذه أول خطوة نحو التحسن. عليك أن تشعر بعدم الرضا عن رسوماتك، وإلا فلن تتطور. قد يكون من الصعب إيجاد الطريق الصحيح، إحدى الطرق التي يمكنك اتباعها هي البحث عن شخصٍ يرسم بنفس الطريقة التي تحاول أن ترسم بها، شخص يرسم لقطات ووضعيات معينة بنفس الطريقة التي ترغب برسمها. قد يساعدك هذا على تجاوز المشكلة. مع أن الغش وسلك هذه الطرق المختصرة لجعل رسوماتك مقبولة لا يعد أمرًا جيدًا. *يضحك*

من المهم أيضًا أن تتقبل أنك قد تعجز عن رسم هذا المشهد رسمًا صحيحًا في الوقت الحالي، وأن تكتفي بإنجاز الرسومات الأخرى. ففي النهاية، ليس الهدف هو رسم أصعب الوضعيات، إنما الهدف هو أن ترسم تسلسل الحركة العام كما توده أن يكون. لا تُعاند وتَعلق في رسمة واحدة. ففي النهاية، الأنميشن ليس محض رسومات ثابتة. فالمهم أن يتحرك المشهد بالطريقة التي تريدها. لو أصرّيت على رسم المشهد كما يرسم هذا وذاك، من زاوية صعبة على سبيل المثال، مهما كلفك الأمر، عندها أي ضعف في مهارتك في الرسم سيكون واضحًا جدًا عندما يَكتمل العمل.

ففي الأنميشن، توجد عدة طُرُق للوصول إلى نتيجة مشابهة. ليس عليك بالضرورة أن ترسم لقطة الأكشن فائقة التعقيد هذه حتى تحصل على نفس التأثير. فهذه ليست منافسة على من سيرسم أصعب رسمة. هناك الكثير من الناس الذين لا يتمتعون بأفضل المهارات في التخطيط، لكنهم مع ذلك يحققون نتائج رائعة في رسم الحركة، أنا على سبيل المثال لن أتمكن غالبًا من التفوق على هيرويوكي أوكيورا – Hiroyuki Okiura في الرسم المجرد وحده، ولكني لا أسمح لذلك أن يُحبطني، لأن الأمر الفريد في الأنميشن هو أنك ما إن تمكنت من ابتكار أسلوب مناسبٍ لمستوى رسمك، يمكنك تكوين حركة تحقق تأثيرًا مقاربًا.

لو كان عليك أن تُنهي مشهدًا معينًا بحلول الغد، وكنت عالقًا مع هذه الرسمة ذات الزاوية الصعبة، فهذا ليس الوقت المناسب للعناد. عليك أن تقنَع بنتيجة مقبولة. ويمكنك أن تعود لعنادك في أي وقت لاحق. فمن المهم أن تتمتع بهذا الإصرار على الرسم بطريقة معينة مهما كلفك الأمر. فمهارتك في الرسم تتطور نتيجة لذلك. حتى لو لم تستطع أن ترسم بنفس الجودة التي تريدها، فمن المؤكد أنك تتطور بمجرد المحاولة. إن لم تكافح وتعاني لإتقان رسم رسمة معينة، فلن تتحسن أبدًا، من المهم جدًا عندمًا تكون يافعًا أن يكون لديك هذا الإصرار على التطور رغم كل الظروف. فهذا ما يساعدك على التطور. ولكن طبعًا فمن المهم أيضًا أن تعرف متى يجب عليك التجاوز والتنازل، ربما يبدو هذا تناقضًا، لكن كلا الأمرين بذات الأهمية.

المقدم: بعيدًا عن مهارات الرسم، هناك أيضًا السعي خلف تطوير الحركة. سمعتُ مرةً أن ميتسو إيسو – Mitsuo Iso قد اطلّع على كل أعمالك إطارًا بإطارٍ في غو-غو غانمو – Gu-Gu Ganmo.

إينوي: أظن أنه يبالغ في تقدير أعمالي، إن ذكاءه الفائق قد يجعله يرى فيها ما لا تحتويه.

المقدم: كونه قد تقدّم لمستوى مبهر حتى ابتكر أسلوب أنميشن خاص به يدعوه “محدود تمامًا” يشير إلى أن لديه قناعة قوية أن الطريقة الحالية في رسم الأنميشن لا تسمح له بتكوين الحركة التي يرغب بإبداعها.

إينوي: هذه قدرة فطرية لا يمكن اكتسابها. ميتسو إيسو – Mitsuo Iso حالةٌ خاصة حقًا، إنه في مستوى مختلف تمامًا عن بقية العباقرة الذين التقيتهم.

المقدم: ومع هذا أظنه غير راضٍ عن أعماله. أعتقد أن معظم الناس، إن لم يكونوا مؤمنين بعبقريتهم، لديهم وعي بنقاط ضعفهم.

إينوي: تمامًا، والأشخاص المُعترَف بتميزهم مسبقًا لديهم وعي بنقاط ضعفهم أكثر من غيرهم. أنا مثلًا لم يسبق لي أن كنت راضيًا تمامًا عن الحركات التي رسمتها. لكن هذه الرغبة بحد ذاتها بأن أرضى عن ما أقدمه هي المحفز الأساسي الذي يدفعني لمواصلة عملي. قد يظن البعض أنه من المروع ألّا تشعر مطلقًا بالرضا تجاه أعمالك، ولكن الأمر معاكس تمامًا، فهذا ما يدفعك للاستمرار. لا يوجد أمر أكثر إثارة من ذلك. ربما هناك بعض الحالات النادرة لبعض عباقرة الأنميشن الذين يصِلون لمستوى عالٍ جدًّا مما يجعلهم يشعرون بالرضا عن ما يقدمونه فيفقدون ذلك الدافع، ولكن أشك بوجود أشخاص بهذا المستوى. أعتقد فعلًا أن هذه مهمة تسعى لها طوال حياتك، أن تتحسن، أن تسعى للوصول إلى مستوى يجعلك راضيًا عن ما تقدمه. لا أمانع الشعور بأن هناك ما ينقصني دائمًا، لأن هذا يعني أنني أستطيع المواصلة بلا ملل أو كلل. رغم صعوبة ذلك إلا أني لن أرضى بأي سبيل آخر.

المقدم: ربما يعود ذلك لكوني قد تحسنت في تقييم الأنميشن، ولكن تقريبًا لم يُعد هناك أي مقطع أنميشن ينجح في إبهاري. يرى العديد من الناس أن الأنميشن قد فقد الكثير من قوة تأثيره التي كان يتمتع بها في الماضي.

إينوي: أعتقد أن الناس في هذه الأيام خائفون فحسب. يخافون من إغضاب المُخرج، فيسلكون الطُرُق الآمنة. سيكون من الجيد لو أعدَّت الشركات بيئة تُشجّع الأشخاص على صناعة الأنميشن بحرية أكثر، بأن تُحفزهم على استغلال إمكانياته. وأعتقد إلى حد ما أن سهولة الوصول للمعلومات جعلت الناس أكسل قليلًا في عملهم. فهم يعرفون الكيفية، ولكنهم يفتقدون للرغبة التي تدفعهم لتجربة الرسم بأنفسهم. يعرفون كيفية تحريك الدخان، ولكنهم لا يشعرون بتلك الرغبة الجامحة لرسمه. فمن يستطيع رسمه يقوم بذلك، ومن لا يستطيع لا يرسم. أعتقد أن فجوة قد اتسعت بين الصنفين. مؤخرًا يبدو أن المشاهد أصبحت تُوزع بناءً على ما يُجيده الرسام فحسب. على سبيل المثال، من النادر أن تُكلف فتاة برسم مشهد “ميكا”. في رأيي، أظن أن علينا تكليف الفتيات بذلك، وإعطائهم مشاهدًا مليئة بالمؤثرات البصرية المعقدة جدًا.

المقدم: العاملون المستقلون لن يقبلوا بعمل معين إن لم يرغبوا برسمه. لا يُمكن إجبارهم. رفض أحدهم ذات مرة العمل على مشهد معين لأنه يحتوي على قلم رصاص آلي.

إينوي: *يضحك* “ولكنني لا أستطيع رسم الميكا، هناك هاتف في هذا المشهد. والهواتف ميكا أيضًا.”

المقدم: أريد من رساميّي المفتاحيين أن يكونوا قادرين على رسم أي شيء، بغض النظر عن تفضيلاتهم، تفضيل أحدهم لرسم المشاهد المكتظة بالناس لا يعني بالضرورة أنني لن أُكلفه بغيرها.

إينوي: لقد كنت أكره رسم الدخان.

المقدم: *يضحك بشدة*

إينوي: أنا لا أمزح!، لوقت طويل، إلى أن عملت على أكيرا – Akira، لم أكُن قادرًا على إتقان رسم الدخان مهما حاولت. في الواقع كنت أعاني من عقدة نقص تجاه ذلك. لاحقًا، عندما كنت أعمل على روجين زد – Roujin Z حدث وأن وقعت عيناي على نُسخ مشاهد أنميشن للدخان لميتسو إيسو – Mitsuo Iso، ومنحتني تلك المشاهد التلميح الذي كنت أحتاجه.

“لو رسمت هذا الجزء بهذه الطريقة، سيحصل على شكله المثالي”. حتى ذلك الوقت، كان الدخان عبارة عن كتلة ضخمة مع بعض النتوءات للظلال، والتي لم يكن فيها أي حس ثلاثي الأبعاد. من دون رسمة تبدو ثلاثية الأبعاد كيف ستتمكن من رسم حركة تُعطيك ذلك الشعور؟ كنت عالقًا في رسم الدخان لأنني لم أتمكن من إيجاد حل لذلك. لم يساعدني رسم آنو – Anno Hideaki للدخان على حل المشكلة. فمع أن الدخان الذي يرسمه مُتقنٌ جدًّا، إلا أنه يفتقد لشكله المصقول نوعًا ما. أما إيسو – Mitsuo Iso فقد كان يرسم الظلال بهيئةٍ مصقولةٍ جدًا. في اللحظة التي رأيت فيها طريقة رسمه للظلال، حظيت بلحظة تجلٍّ. “هكذا إذن! علي رسم حدود الدخان بهذا الشكل، أما الظلال فيمكن رسمها بهذا الشكل فحسب.” اكتشفت حينها أنك لو رسمت الظلال بكونها منخفضات صغيرة في الهواء، فإنها ستمنح إحساسًا بكونها ثلاثية الأبعاد، وسيكون من الأسهل تحريكها.

جربت تلك الطريقة في روجين زد – Roujin Z وفي هاشيري ميلوس – Hashire Melos، ولكن تطلب الأمر مني فترة لإتقان رسمها، بمجرد أن اعتدت على رسمها بدأت بالاستمتاع بتحريك الدخان. لو أنني استمريت بتجنب رسمه طوال الوقت فقط لأنني لم أكن أُحب رسمه، لربما لم أكن لأعرف كيفية رسمه حتى الآن. هكذا تجري الأمور. أدركت أن لدي مشكلة في رسم الدخان، لذا تمكنت من إيجاد حل للمشكلة بسرعة عندما رأيت عمل إيسو – Mitsuo Iso. عليك أن تشعر أنك محاصر تمامًا، لدرجة ترغب فيها بعدم رسم ذلك الشيء مرة أخرى على الإطلاق، كي تتمكن من التطور. متى ما شعرتَ أنك محاصر، وأيقظت حواسك كلها وانتظرت بفارغ الصبر حتى تحصل على تلميح، فإنك غالبًا ستجد ما يدلك على الطريق الصحيح.

المقدم: تحدَّثتَ بالأمس عن محاولتك لإخفاء حضور ذاتك في أعمالك. “لا يمكنني إخفاء هويتي كليًا في العمل، لكنني أُحاول أن أمنعها من تشتيت المُشاهد.” أنت من القلّة الذين يفكرون بهذه الطريقة.

إينوي: حسنًا، في حالتي، كل ما في الأمر أنني لا أُكنُّ الكثير من الأمور التي تتلهف للظهور للعلن، لكن يبدو أن هناك شعور سائد هذه الأيام بأن العمل ليس ذا قيمة إن لم يكن ذاتيًا. ولكن الذاتية ليست خاصيةً يمكنك إجبارها على الظهور فقط لأنك مُطالب بذلك. ستبدو مزيفةً بهذا الشكل. لأن الذاتية سمةٌ تظهر في الأعمال من تلقاء نفسها سواءً رغبتَ بذلك أم لم ترغب، يتحقق ذلك بعد أن تعمل لأعوام وأعوام على تطوير مهاراتك. ما كنتُ أُحاول قوله أنه يجب ألا تُحبط لو كنتُ تواجه صعوبة في إبراز حضور ذاتك في عملك. هناك ما يقلقني في هذا الأمر. يمكنك رؤية هذه المعاناة بوضوح خصوصًا عند الشُبّان الذين قد تخرجوا لتوهم من مدرسة الفنون، حيث تَعلموا هناك بأنه يجب عليهم أن يحاولوا إيجاد أساليبٍ فردية للتعبير. أظن أن هذا سيُشكّل عائقًا ما إن توجهوا للأنميشن تحت هذا الإحساس بالضغط بإبداع أسلوب شخصي ومبتكر في الرسم أو التحريك. فالأنميشن، مقارنة بأنواع الفنون الأخرى، لا يعد من المِهن التي تُساعد على ابتكار أساليب شخصية للتعبير. لنفترض أنك بدأت العمل رسامًا بينيًّا، حينها ستكون فرصتك للرسم بأسلوب تعبيري ذاتي في عملك أقرب إلى الصفر. لذا ما أحاول قوله هو أن أُوصل رسالة “لا تفزعوا وابقوا هادئين”. بعد عشر أعوام من العمل كرسام مفتاحي، ستجد أن لأعمالك سمة ذاتية جليّة تظهر من تلقاء نفسها ودون أي محاولة.

المقدم: أتعرف كيف يُفضل الرسامون أسلوبًا معينًا من أساليب تصميم الشخصيات؟ لقد أصبح من الصعب جدًا العثور على رسامين في هذه الأيام حتى أني قبل أن أقبل العمل الآن عليّ أن أُفكر بكم من الناس قد تجذبهم تصاميم الشخصيات هذه.

إينوي: لقد وصل انخفاض عدد الرسامين للمستوى الذي يجعل كل رسّام يحصل على كثير من الطلبات، لذا فمن الطبيعي أن يختار الرسام التصاميم التي يفضلها. هذا الأمر مثير للاهتمام لأنه قد بدأ يؤثّر حتى على نوعية التصاميم التي تميل الصناعة إلى اختيارها.

المقدم: كلما نظرت في المجلّات، بصراحة، أفاجأُ من الفارق الهائل بين أنواع التصاميم التي يميل لها ويطالب بها الجمهور، وبين أنواع التصاميم التي يختارها الرسامون. ردة فعلي تكون غالبًا “كيف على التعامل مع هذا؟!”

إينوي: لا تَدع ذلك يزعجك. لو طلب الجمهور شيئًا معيَّنًا، فإن الصناعة ليس لها خيار سوى أن تلبّي طلبهم. يُدرك الناس ما سيواجهون عندما يقررون العمل في هذا المجال، لذا لا أظن أن هناك ما يدعو للقلق بشدّة بشأن ذلك. إلى حدٍ ما، أجد أن هناك متعة خاصة يشعر المرء بها عندما يتحمل العمل على أُمور معينة حتى يتمكن في النهاية من العمل على ما يريده.

المقدم: هذا في الحالات المثالية، لكن الواقع هو أن الرسامين قد سئموا من إجبار أنفسهم باستمرار على مجاراة هذه الأمور. ربما يدركون المبدأ العام الذي ذكرته، ولكن في النهاية، إجبارهم على العمل على هذه الأشياء مرارًا وتكرارًا سيطفئ حماسهم ودافعهم.

أظن أن العديد من الناس يدخلون هذا المجال بهدف كسب لقمة العيش فحسب. لا أحد يَسعى لأن يكون رسّامًا بهدف أن يصبح ثريًا يومًا ما. لو أردت تحسين هذا الوضع – بحيث يتمكن الرسامون من أن يطمحوا على الأقل لكسب ما يكفي لشراء منزلٍ وليس فقط ما يكفيهم بالكاد للعيش – فأظن أنه على الناس أن يشعروا بأنهم عاملين في هذا “القطاع” من الصناعة إذا صح القول. على الشركات أن ترسم خططًا تهدف إلى تعزيز هذا الوعي لدى العاملين.

إينوي: ولكن المؤكد أن الناس في الوقت الحالي مهتمون بأمر المال أكثر من ذي قبل، في أيامي لم أكن أُفكّر أبدًا فيما إن كنتُ سأكسبُ ما يكفيني لتوفير الطعام أم لا، لأنني كنتُ أرى الآخرين يحصلون على ما يكفيهم لتناول الطعام، لذا استنتجت أن بإمكاني ذلك أيضًا. لقد كنتُ سعيدًا لمجرد تمكني من العمل في مجال الأنميشن، لذا لم أهتم حتى بما إن كنتُ سأستطيع الحصول على ما يكفي لتوفير لقمة العيش، كنت أُحب العمل في الأنميشن لهذه الدرجة. ربما لم يكن هذا شيئًا جيدًا. ربما كان عليّ أن أفكر بهذا العمل بصورة أكثر جديّة، بكونه وسيلة لكسب العيش. على كلّ حال، لدي شعور أن هنالك وعيٌ مُسبق بما تقوله عن هذه الأمور في الوقت الحالي عن ما كان في الماضي. فالناس لديهم رغبة أقوى في العمل في مجال الأنميشن وكسب مبلغ جيد مقابل عملهم. ولكن هل يبذلون جهدًا كافيًا يستحق ذلك؟ لستُ واثقًا. هناك مطالب بالحصول على مبالغ أفضل مقابل نفس كمية العمل. من المتعارف عليه أن سعر الوحدة في الأنميشن اليوم زهيد جدًا. إنه قليل بالتأكيد، ولكن أشعر نوعًا ما أنّهم يستخدمون ذلك عذرًا وراء عدم كسبهم ما يكفي من المال. فأُجور العاملين قد أصبحت أفضل بكثير من ما كانت عليه.

المقدم: هل تعني أن المشكلة في نقص كمية العمل المُنتج؟

إينوي: حسنًا… حتى في هذا العصر، هناك من يكسبون كسبًا جيدًا بالعمل بالقطعة، لذا إن فعلت نفس الشيء ستكسب بنفس القدر. ولكن لا شك أن سعر الوحدة حاليًا في هذا المجال مُنخفض جدًّا، إنه كذلك بالتأكيد. ولكن هل الحل هنا هو المطالبة برفعه أكثر فأكثر؟ أظن أن هذا سيجعل الوضع أسوأ وحسب.

لنفترض أننا رفعنا سعر الوحدة. نتيجة لذلك، لن تَضطر لإنجاز نفس الكمية كالسابق، لذا ستُنجز أقل فأقل. ثم سيبدأ الناس من جديد يتحدثون عن أن سعر الوحدة منخفض جدًا، وستبدأ المطالبة برفعه مرة أخرى، وسترتفع الأجور أكثر عمّا قبل. وهكذا ستكون النتيجة النهائية هي مجرد استمرارية انخفاض الإنتاجية. من الصعب إيجاد التوازن المثالي.

المقدم: تقريبًا لم تُسلم أي من الرسومات المفتاحية لأنمي غوست إن ذا شيل – GITS: SAC في وقت أقصر رغم ارتفاع سعر الوحدة، على الأقل مقارنةً بسعر الوحدة “المنخفض” المعتاد في الرسوم المفتاحية التلفزيونية.

إينوي: بالنسبة لهم، كان هذا هو الأجر المناسب للعيش بسرعة عملهم الطبيعية. ليس سعرًا أعلى من المطلوب، وإنما مناسب تمامًا. حتى لو رسموا أكثر فقط لأن سعر الوحدة أعلى بقليل، لم يكونوا ليتمكنوا من الاستمرار. أظن أن هذا ما كان عليه الأمر، فهم لا يستطيعون العيش بالسعر المعتاد لكن بسعر غوست إن ذا شيل – GITS: SAC يمكنهم أخيرًا كسب العيش بسرعة عملهم التي اعتادوا عليها.

المقدم: ولكنني لا أتحدث عن الموازنة بين دورة المبيعات وسعر الوحدة فحسب. ما أتحدث عنه هو وجود رسومات مفتاحية في غاية السوء لدرجة أن كلًا من المخرج ومخرج الأنميشن يُعيدان رسمها بالكامل، قد يُجادل البعض بأن هذه هي وظيفتهما، ولكن على أقل تقدير علينا أن نُنجز “أعمال الدمج” التي تحدث عنها إيساو تاكاهاتا – Isao Takahata، وإلا سيخرج الوضع عن السيطرة تمامًا. هناك عبارة ظهرت مؤخرًا لوصف الحالة التي يتراكم فيها العمل على مخرج الأنميشن: قَتلُ مخرج الأنميشن. لقد أصبح الوضع سيئًا حتى أننا لم نعد نقتل مخرج الأنميشن فقط، وإنما نقتل المخرج أيضًا. هناك أزمة على وشك الحدوث، يكاد الأمر أن يخرج عن سيطرتنا. لقد شيّدت اليابان عبر العقود الماضية كنزًا عظيمًا من المعرفة في الأنميشن، وعلينا أن ننقل هذه المعرفة إلى الأجيال القادمة.

تُحدد تكاليف الإنتاج مسبقًا، لذا فالطريقة الوحيدة لرفع الأجور هي ما إن نجح العمل وحصلنا على إيرادات من ذلك. أتمنى من الشركات أن تُشعِرَ العاملين بهذا النجاح، إنها أقرب لطريقة لجعلهم يتصرفون بمهنية أكثر. ولكن لفعل ذلك، علينا أن نصبح شركة ناجحة تحصل على نتائج جيدة. لقد كان الأمر رائعًا عندما كُنتُ مُجرّد موظف لا يحتاج للتفكير بكل هذه الأمور. *يضحك*

إينوي: من الرائع دائمًا الحصول على ضمانات هكذا. ما إن حققت السلسلة نجاحًا باهرًا، يعود نفع ذلك عليك بشكل “مكافأة النجاح”. بلا شك، لا أظن أن هذه المكافأة قد تُشكل حتى نصف ما يحفز الناس لتقديم عمل جيد. لكن لا أظن أيضًا أنه سيكون أمرًا سيئًا بالضرورة لو أن الناس قَدِموا لعملهم في الصباح لهذا الهدف فقط. أشعر أن ذلك الطموح لتقديم عمل ناجح قد تلاشى مؤخرًا. لو أن السلسلة حققت نجاحًا باهرًا ولم يعد ذلك حتى بقليل من النفع على العاملين، إضافةً إلى أجور العمل المنخفضة، سيكون من الصعب أن يتوقد لديك الحافز للعمل. سنكون قد اقتربنا من الوضع المثالي في الأنميشن التجاري لو حصل عمل على شعبية كبيرة في أشرطة الفيديو أو مسارح العرض وعاد ذلك بالنفع على طاقم العمل. علينا أن نحاول اكتشاف ما يرغب الناس بمشاهدته، حتى لو كان يبدو مفروضًا علينا نوعًا ما في الوقت الحالي. فلوقت طويل بدا وكأن الصناعة لا تُبدي أي اهتمام بما يرغب الناس أن يشاهدوه. لنفترض أنك ترسم لوحة قصة لعمل كوميدي. عندما يُسلم إليك النص، اسأل نفسك: هل هذا النص ظريف؟ هل جعلني أضحك؟ لو لم يكن كذلك، كيف يمكنني دفع الناس للضحك بلوحة القصة التي سأرسمها؟ بالطبع، من المزعج أنك ما إن تمكنت من إضحاك الناس بلوحة القصة الخاصة بك سيعود ذلك بالنفع على الكاتب فقط، ولكن علينا أن نأخذ الأمر خطوةً خطوة. ففي النهاية، سيكون تطورًا جيدًا لو أصبح الناس المشاركون في الصناعة هم نفسهم من يربحون من شعبية أعمالهم.

*يلتفت إلى الرسام كوسوكي كاوازورا – Kosuke Kawazura* أنت لم تأتِ لتُصبح غنيًّا، أليس كذلك؟ فأنت تريد أن تكسب ما يكفيك فقط للعيش بشكل معقول.

كاوازورا: في الواقع، كثيرٌ من العاملين القادمين إلى هذا المجال في هذه الأيام يبدون مهتمين بعيش حياة كريمة.

إينوي: هذا صحيح.

كاوازورا: شخصيًا، أنا سعيد لمجرد تمكني من العمل في مجال الأنميشن.

إينوي: هذا ما كنت أشعر به. أمضيت أعوامًا من حياتي أعيشُ حياةً متقشّفة بالعمل بالقطعة، مع ذلك ها أنا ذا أجد نفسي الآن موظفًا براتبٍ ثابت. من الطبيعي أن ترغب بعيش حياة جيدة كباقي الناس. في الواقع فإن من المُضر لك أن ترى كل هذه الثروة حولك ولا تتمكن من الوصول لها.

كاوازورا: هناك العديد من الأشخاص الذين يكسبون كسبًا جيدًا جدًا في هذا المجال.

إينوي: بالتأكيد. بعض الناس يبذلون قصارى جهدهم ويكسبون الكثير من المال. فالأمر ليس مستحيلًا، ولكنه أصبح مقتصرًا على فئة معينة فقط وأصبح الفارق واضحًا. وبالإضافة لذلك، في السابق، في بدايات دخولي لهذا المجال، كان الأشخاص الذين يكسبون كسبًا جيدًا هم من يُنجزون كمية كبيرة من الرسومات المفتاحية منخفضة الجودة. أما في الوقت الحالي، فلديك أشخاص مثل نوريو ماتسوموتو – Norio Matsumoto، أشخاص يرسمون بكميات هائلة ومع ذلك فإنهم يرسمون بجودة عالية جدًا. لا تهز كتفك فحسب وتقول “أوه، إنهم حالات خاصة” وتتوقف عن محاولة اكتشاف كيفية تمكنهم من تحقيق ذلك. بل اسأل نفسك، “كيف أستطيع أن أرسم بهذه الكمية وبهذه الجودة؟” تلك هي “مهمتي” في الوقت الحالي، أن أكتشف سر نوريو ماتسوموتو. *يضحك* لا بد أنه يُكنّ سرًّا ما.

المقدم: ربما يرسم بغريزته؟ إنه بالفعل سريعٌ جدًّا.

إينوي: سريع للغاية. أشعر بأنه لا يقوم بأي نوع من التخطيط. فأنا أبدأ أولًا بالرسم بخط خفيف تقريبي حتى أحصل على الشكل الأساسي، لكن في حالته تشعر أنه يبدأ بالرسم فورًا ويُنجز العمل كاملًا مرة واحدة. هذا هو التفسير الوحيد لتمكنه من الرسم بهذا القدر الكبير. ومع ذلك تشعر دائمًا بأنه قد أخذ وقتًا كافيًا ولم يرسم على عُجالة. يا للغموض.

المقدم: أعرف أنك تعمل براتب ثابت على الأفلام، لكن ما يفاجئني هو أن شخصًا بمهارتك ما يزال يعمل بالقطعة أيضًا، أي بسعر محدد مقابل كل مشهد. هذا يجعلك تكسب قدرًا أقل مقابل كل رسمة مفتاحية، ولكن مع ذلك عليك أن تَرسم بنفس الكمية. لقد قدمت الكثير مسبقًا في المساهمة في رفع جودة الأفلام وإنجازها في الوقت المحدد، فلماذا لا تركز على العمل في هذا المجال بالراتب الثابت، مما سيسمح لك بالرسم بكمية أقل والتركيز على رفع الجودة؟

إينوي: حسنًا… السبب بسيط. فكل ما أريده هو أن أرسم بأكبر قدر ممكن. أنت محق في كلامك أنني لو فعلت ذلك فسأكسب أكثر مقابل كل رسمة، وسأحصل بعدها على وقت فراغ يمكنني أن أقضيه كما أريد. ولكن هل سأستغل هذا الوقت الإضافي في التركيز على تطوير مهارات أخرى؟ كلا. لأن كل ما يشغل بالي في النهاية هو رسم أكبر كمية ممكنة من المشاهد الجيدة. حتى أني لم أفكر من قبل  أو أهتم أبدًا بالمال. لو قمت بذلك بالطريقة الصحيحة فالمال سيأتيك في النهاية. فكمية الربح بحد ذاتها لا تؤثّر أبدًا على طريقة عملي.

المقدم: ما هي أكبر مشكلة تواجهك عندما تُدرس تقنيات الرسم للرسامين الناشئين؟

إينوي: هذا سؤال سهل، تكمن المشكلة في معرفة كيفية إيصال المعلومات الموجودة في رأسي بوضوح. في إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عنها.

المقدم: ماذا عن كون الاستوديوهات ليست مُعَدّة لمثل هذه الأشياء؟ بالإضافة إلى السلوك والخبرة وما إلى ذلك؟

إينوي: بالطبع فإن هذه أيضًا عقبات، بما أن أغلب المستمعين لي من الشباب. ولكن في النهاية فإن المشكلة الأهم لا تكمن هناك، وإنما تكمن هنا، في داخلي، في عدم تمكني من إيجاد طريقة مناسبة لتنظيم أفكاري، عندما أقرأ كتبًا مثل “أدوات نجاة الرسام” لريتشارد ويليامز – Richard Williams و “وهم الحياة” لفرانك توماس – Frank Thomas وأولي جونستون – Ollie Johnston، فإني أنبهر دائمًا بقدرتهم على صياغة أقل كمية ممكنة من المعلومات الأهم عن الأنميشن والتعبير عنها لغويًا بإيجاز وبأوضح أسلوب ممكن، حينها لا أنبهر فحسب، وإنما أشعر بالحرج أيضًا من عجزي عن فعل ذلك.

المقدم: أفهم من هذا أنه لم يسبق لك أن درّستَ أشخاصًا في مكان عملهم.

إينوي: هذا صحيح. أنا لم أُدرّب حتى الرسامين البينيّين، لم يسبق لي أن فعلت شيئًا كهذا حتى عندما كنتُ في برودكشن آي جي – Production IG.

المقدم: لدى برودكشن آي جي أشخاص يقومون بهذه المهمة مثل تاكايوكي غوتو – Takayuki Goto وكازوتشيكا كيسي – Kazuchika Kise، وفي جونيو كنتَ خارج الاستوديو معظمَ الوقت. ماذا لو نُصِّبتَ أخيرًا لتصبح مسؤولًا على موقع عمل كهذا، وأصبحت مسؤوليتك المحافظة على مستوى جودة الأنميشن؟

إينوي: بوجودي مخرجًا للأنميشن؟ لا أدري. لم يسبق لي أن كنت مُخرج أنميشن، ولم يسبق لي حتى أن علّمتُ رسامًا مفتاحيًا مبتدئًا، لذا أظن أن ذلك قد يُنفر بعض الناس عن العمل.

المقدم: أتمنى أن يحصل ذلك يومًا ما. لا أعني التدريس. وإنما أتمنى أن تمتلك يومًا ما مكانك الخاص حيث تستطيع أخيرًا أن تستقر وتُعلّم الجيل الجديد. لكني أعلم أن هنالك العديد من الأفلام التي ما زالت بحاجة إليك، وأن ما يزال لديك الكثير مما ترغب بتقديمه.

إينوي: ولا أظن أن هذه الرغبة ستنفد مني حتى يوم وفاتي. لذا لا أستطيع تخيل وصولي لمرحلة أكون فيها راضيًا تمامًا بما يكفي لأن يجعلني أعتزل العمل وأُركّز على تدريب الناس. قد يظن البعض أنها أنانية مني، ولكن هذا هو ما يدفعني للعيش، لذا من الصعب علي التخلي عن ذلك. أتمنى لو أستطيع أن أقول “حسنًا، افعلوا كما أفعل فحسب” وينتهي الأمر. ولكن لو قلتُ ذلك، فسيبدو وكأنني أقول أن الأشخاص الجيدين مسبقًا يمكنهم أن يصبحوا أفضل أما الباقون فلا يعنيني أمرهم، وهذا غير صحيح. لهذا أصبحت مؤخرًا أقتطع وقتًا بعيدًا عن العمل لأنجز مسؤوليات لا تتعلق به، كالتدريس. أريد القول أن هذا النوع من الأعمال لا يدخل ضمن نطاق مسؤوليتي، لأن كل ما يهمني في النهاية هو ترك دليل خلفي على وجودي، ولكن مع ذلك، من الموحش عدم وجود أي شخص تتنافس ضده. هذا يُحزنني. ربما هناك البعض، لكنهم قلّة بالتأكيد عمّا كانوا. لذا فإنه قرار صعب.

ترجمة: iRayleighSan@

تدقيق: Nada12__@

المصدر

عن AnimeTherapy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصاعب إنتاج عملٍ خالد: مقابلة مع منتج ماكروس هيروشي إيواتا

هيروشي إيواتا كان منتجاً للمسلسل الأول في سلسلة Super Dimension Fortress Macross، مسلسلٌ نال إعجاب ...