للإعلان راسلونا عبر info@animetherapy.net

إيساو تاكاهاتا

في الخامس من أبريل عام 2018، توفي مخرج الأنمي الشهير إيساو تاكاهاتا عن عمرٍ يناهز 82 عاماً. تاكاهاتا كان من أشهر مخرجي الأنمي والرسوم المتحركة على الإطلاق، أفلامه كانت دوماً ذات جودةٍ عاليةٍ وساهمت في نقل الأنمي إلى الساحة العالمية. ليس من المبالغة القول بأن أعماله المتميّزة، التي أنتجها طوال مسيرته الطويلة الحافلة، غيّرت شكل الأنمي. العديدون يحصرون فيلم “قبر اليرعات” كأفضل أفلامه، بل ويتناسون أعماله الأخرى الممتازة. في محاولةٍ لسرد مسيرة تاكاهاتا بالتفصيل، دون تجاهل أيٍّ من أعماله، نقدم لكم هذا المقال.

بداية تاكاهاتا في الصناعة كانت عام 1959، بانضمامه إلى توي دوغا في خضم بعض النزاعات المتعلقة بالعمالة آنذاك. لطالما أثارت الثقافة الأوروبية وبخاصة الفرنسية اهتمام تاكاهاتا، فقد درس في الجامعة الأدب الفرنسي، وهو ما ظهر بوضوح في أعماله، باشراك ملامح الموجة الفرنسية الجديدة في السينما في أعماله، أو الاستلهام، ليس فنيّاً فقط بل من ناحية القيم أيضاً، من مثله الأعلى فريديريك باك. لكن من أثار شغفه في الرسوم المتحركة كان فيلم “The Shepherdess and the Chimney Sweep” الخاص بـباول غريماولت وجاك بريفيرت. بعد انضمامه إلى توي، وُضع مباشرةً تحت رعاية الرسام الخبير ياسو أوتسوكا – على الرغم من كونه لا يجيد الرسم. إلا أن تاكاهاتا هو أكثر من فهم الرسوم المتحركة من بين الأشخاص عديمي الخلفية عنها في هذه الصناعة، ولطالما شكر أوتسوكا على إرشاده له طوال سنينه الأولى في الصناعة.

مثلما لاحظ اوتسوكا موهبته، لاحظ تاكاهاتا موهبة الرسام الشاب الذي انضم بعده بأربع سنين: هاياو ميازاكي. اهتمامه في ميازاكي، الشخص الذي سيصبح لاحقاً أفضل أصدقائه، أو حتى منافسيه، تجاوز حد الاهتمام المهني، فقد دفع تاكاهاتا ميازاكي للانضمام إلى الاتحاد العمالي لاستغلال كاريزما ميازاكي. بسبب قصور تاكاهاتا عندما يأتي الأمر إلى الرسوم المتحركة، كان دوماً بحاجة إلى يدٍ يمنى تساعده على تطبيق أفكاره، وميازاكي أدى هذا الدور لسنين بامتياز. على الرغم من تمكن تاكاهاتا بحلول نهاية عام 1963 من إخراج بعض الحلقات في أنمي Wolf Boy Ken، أول أنمي متلفز لتوي دوغا، أول تعاون كبير بين ميازاكي وتاكاهاتا سيكون في عام 1968، عندما صدر فيلم تاكاهاتا الشهير “هورس أمير الشمس”، كأول الأعمال التي يتولّاها كمخرجٍ عام. كان معلمه، أوتسوكا، الذي تولى إخراج الرسوم في الفيلم، هو من أصر على أن يخرج تاكاهاتا الفيلم. لو تراجع تاكاهاتا عن هذه المهمة، لربما كان تاريخ صناعة الأنمي مختلفاً تماماً.

بعكس طبيعته، كان تاكاهاتا مجبراً على التنازل قليلاً في أول أفلامه، ولو أن النتيجة النهائية كانت فيلماً ضخماً سابقاً لأوانه. عناصر القصة الأصلية المتعلقة بقبائل الآينو استبدلت بعناصر اسكندنافية بحجة ملائمتها أكثر للجمهور، فكان صدور الفيلم باسم “الأمير الاسكندنافي الصغير” في أمريكا أشبه بخيانة. إلى جانب هذا، أفكار تاكاهاتا الأصلية شُذّبت لدرجةٍ جعلت الفيلم مكتظّاً بالأحداث بشكلٍ مرهق، هذا السيل الجارف من التطورات الكبيرة في القصة بلا هوادة أو وقتٍ كافٍ بينها أدت إلى فشل الفيلم، خاصة عند جمهورٍ، باعتراف تاكاهاتا شخصيّاً، لم يكن جاهزاً لأفلام رسومٍ متحركةٍ بلا كوميديا بتاتاً. على الرغم من هذا، ما زال “هورس” أحد النقاط المهمة في تاريخ الصناعة.

لم تعرض كل أفكار تاكاهاتا في الفيلم، لكن بالنسبة لما عرض، فلم تحصل أي مساومات عليه. ولو أنها فكرةٌ بسيطةٌ روائياً، فـ”هورس” يحتفي بقوة وقدرة المجتمعات ويعكس الزمان والروح التعاونية التي صنع فيها، مع كونه مليئاً بالأفكار المثيرة بصرياً ورغبة تاكاهاتا في غمر المشاهد بالثقافة وتقاليدها. مع أن هورس هو البطل، المركز العاطفي للفيلم كان هيلدا، التي كانت شخصيةً معقدةً ثوريّةً لدرجة اعتراف ميازاكي بنفسه بعدم وجود أي شخصٍ في فريق العمل فهم رؤية تاكاهاتا. حسب كلامه، فقط تاكاهاتا وياسوجي موري، الشخص المسؤول عن رسمها، فهما تفاصيل شخصيتها التراجيدية. لكن بدلاً من قولها كنقد، ميازاكي عنى كلامه كمدحٍ لرسم موري، بخاصة المشهد الذي تظهر فيه عزيمتها على التضحية بنفسها. المدى الواسع من التعابير الذي أظهرته في النهاية، مازجةً العزم والاستسلام، كان مؤثراً لدرجةٍ لا تضاهيها أي من أعمال تلك الفترة، وما يزال مذهلاً إلى يومنا هذا.

مع كون مشهد هيلدا الخاص بموري أكثر مشاهد الفيلم عاطفيةً، بقية الطاقم لم يتخلفوا كثيراً من الناحية التقنية. إن شاهد أي شخص الفيلم دون خلفيةٍ مسبقةٍ عن كواليسه، فقط المشهدان الغير مكتملان(هجوم الذئاب وبعض المشاهد خلال اجتياح الفئران للزفاف) تلمح لمشاكل إنتاجية، أما خلاف ذلك، كان “هورس” استعراضاً يكاد يكون لا يضاهى (آنذاك) للرسوم المتحركة الممتازة في صناعة يابانية ناشئة. مشهد القتال مع السمكة كان من أفضل مشاهد أوتسوكا في مسيرته. التقاليد المظهرة بعناية كانت أفضل تلميحٍ على ما سينجزه تاكاهاتا لاحقاً، لكن ربما أكثر ما يثير الإعجاب في “هورس” هو كمية المشاهد المذهلة الهائلة التي يحتويها. “هورس” كان نتيجةً لإصرار مجموعةٍ شغوفة من الصناع تحاول ابتكار شيءٍ بمستوىً أعلى من الإمكان، “هورس” كان قمة العصر السينمائي الذهبي لتوي دوغا، سواءً بكونه أفضل ما أنتج فيها، أو بكونه بداية النهاية لها. ستنتج توي دوغا بعض الأعمال المذهلة بعد “هورس”، كـ”Puss ‘n Boots” الذي اتخذه الاستديو شعاراً له، لكن لن يصل أيٌ منها إلى روعة “هورس”، التفرق التدريجي الذي حصل للفريق مثّل نهاية حقبةٍ زمنية.

في وقتٍ كانت تحاول صناعة الأنمي التثبّت من هويتها الخاصة، أداء “هورس” كان عاملاً مهماً. أفكار تاكاهاتا الثورية بينت الطريق للعديد من الصناع الآخرين، بينما أدى فشله التجاري ومشاكله الإنتاجية إلى بقاء أعمالٍ كهذه بعيداً عن الجمهور العام، مخليةً الطريق للتوجه المحدود أكثر في صنع الأنمي ليصبح المعيار الذي تسير عليه الصناعة اليوم. بعد وفاة أي شخص تأتي الرغبة في اعتبار كل أفعاله كنجاح، خاصةً مع شخصٍ مثل تاكاهاتا، لكن من المهم فهم أن أغلاطه حتى ساهمت في تغيير الأنمي. مسؤولو توي دوغا لعبوا دوراً في الخفاء، فقد كانوا سعيدين بالتضحية بشخصٍ مثله منهمكٍ بالنزاعات النقابية، لكن عدم قدرة تاكاهاتا على التأقلم مع وقائع وتغيرات الإنتاج طاردته كالكابوس طوال مسيرته، متمثّلةً في مشاكل الجدولة، فكل أفلامه تقريباً عانت من التأخيرات. ولا ننسى لقب “باكو-سان”، اللقب الذي يناديه به زملاؤه في غيبلي. اللقب أتى من كون تاكاهاتا يأتي دائماً متأخراً للاستديو وهو يلتهم فطاره، محدثاً صوتاً كـ”باكو باكو”. التأخير كان جزءاً من شخصيته.

بعد تحمله المسؤولية كاملةً في فشل “هورس”، تم تنحية تاكاهاتا وإرساله إلى مشاريعٍ تلفازية أكثر تواضعاً مثل “موريتسو أتارو”، لكن أيامه لدى توي دوغا لم تدم كثيراً بعدها. عام 1971 غادر تاكاهاتا، رفقة ميازاكي ويويتشي كوتابي، للانضمام لـ”A Production”، آملين بالعمل مجدداً رفقة معلمهم ياسو أوتسوكا (الذي أظهر لهم إمكانياتٍ جديدة في الأنمي التلفازي مع “Moomin”) إلى جانب نيتهم في العمل على أنمي لـ”Pippi Longstocking”. في بادئ الأمر تولت مجموعتهم إنتاج “لوبين الثالث” خلال النصف الثاني من الأنمي الأول، منقذين إحدى السلاسل الأيقونية من الموت جرّاء التقاييم التلفازية المتدنية. لكن لم يسر كل شيءٍ على ما يرام، فبعد كل المجهود في مرحلة ما قبل الإنتاج ورحلات ميازاكي العديدة للسويد لاستكشاف المكان والتحدث للكاتب، لم يتمكنوا من الحصول على حقوق الرواية وألغي المشروع. لكن العديد من أفكارهم التي كانوا سيستعملونها في “Pippi Longstocking” استعملوها في عملهم التالي، “باندا كوباندا” وتكملته. إلى جانب التحريك المرح الخاص بـ”A Pro”، هذان الفيلمان القصيران يمثلان توجهاً جديداً نحو الحياة اليومية، وهي ما ستكون تركيز تاكاهاتا بدءاً من هذه النقطة. انضم تاكاهاتا للصناعة لأسباب خيالية، بما أن هذه الأسباب تمثل إمكانيات الرسوم المتحركة بشكلٍ أفضل، لكن سرعان ما استوعب تاكاهاتا أن الأحداث اليومية هي الوسيلة التي يجب استعمالها لتمثيل الحياة بإتقان.

يمكن رؤية نتيجة التحول هذا في عمل تاكاهاتا في أعمال “تحف المسرح العالمي” الخاصة بـ”ـفوجي تي في”: “هايدي فتاة الألب”، “ماركو 3000 فرسخ بحثاً عن الأم”، “آن فتاة الجمالين الخضراء”، التي تم إنتاجها لدى “Zuiyo Eizo” ومن ثم خلفتهم “نيبون أنيميشن”. ما أنجزه تاكاهاتا وفريقه في هذه المرحلة لا يمكن اختصاره، لكن سأذكر على الأقل تغييرهم صناعة الأنمي للأبد بابتكار نظام المخطّطات. حتى تلك اللحظة، كان الطبيعي أن ننتقل من لوحة القصة إلى المفتاحيّات مباشرةً، لكن “هايدي” أضاف مرحلةً أخرى أصبحت مستعملةً في كل الصناعة فيما بعد: مجموعةٌ من الرسوم التي تظهر تفاصيل المشهد تسمّى المخطّطات، وهي تتوسع في أفكار لوحة القصة وتظهرها على ورقة الرسم. كمية التصحيحات المحتاجة انخفضت بينما ارتفعت الجودة، فكانت هذه التجربة ذات فائدةٍ كبيرة وانتشر استعمالها ليشمل الصناعة كافةً. بالطبع لم يتم نسخ نظامهم بحذافيره، حيث استعملوا بعض الأمور لتلائم شخصيّات طاقم العمل، فـتاكاهاتا مخرجٌ لا يجيد الرسم لكن لديه أفكارٌ بصرية دقيقة، لذا كان بحاجةٍ إلى يدٍ يمنى، فكان ميازاكي هو من يرسم جميع هذه المخطّطات. لو كان المخرج يجيد الرسم، أو لو كان الطاقم بلا موهوبٍ مثل ميازاكي، لاختلف الأمر كثيراً.

أحد المخطّطات المستعملة في “هايدي” من رسم ميازاكي.

إضافةً إلى الأفكار الإبداعية في الإنتاج والكتابة المتقنة، تميزت أعمال “المسرح العالمي” بالدقة في خلفيتها الواقعية. تاكاهاتا كان قد تثبّت في أسلوبه بالخوض في تفاصيل العمل الثقافية، لذا أجرى هو وفريقه أبحاثاً مكثفةً ليصلوا إلى الأشياء التي لا تنقلها الصور. مجرد خلفية بصريةٍ جيدة غير كافٍ، تاكاهاتا أراد اقتباس المجتمعات بشكلٍ دقيق، فأجبر ميازاكي على رسم العديد من الرسومات لبيوت السكان من الداخل وما الذي كانت تحويه آنذاك، بينما يقرأ هو عن التقاليد بشكلٍ مستمر. عمل تاكاهاتا التالي “جارينكو تشي” كان من طينة “باندا كوباندا” ذاتها، لكن بقصةٍ تجري أحداثها في أوساكا الستينات، كانت أشبه بتطور. ممزوجاً مع التعابير المتنوعة، والروح الاحتفالية، والقصص العائلية المبطنة لكن المؤثرة، “تشي” كان من أفضل الأمثلة على فترة تاكاهاتا السابقة لـغيبلي. قد لا يضيف العمل شيئاً جديداً، لكن مع فريق “تيليكوم” القوي الذي كان تحت إمرة تاكاهاتا كانت النتيجة جيدةً جداً.

بعدها أتى “Gauche the Cellist”، أحد الأعمال التجريبية التي برزت بين أعمال تاكاهاتا بكونها سابقةً لزمانها. على الرغم من كونه مخرجاً يحب استكشاف وتجربة أمورٍ جديدة، تطور تاكاهاتا جاء دائماً بشكلٍ مرتب، ما يعكس طبيعة تاكاهاتا العقلانية. لكن “غاوش” كان تجربةً حسّيّةً تشبه فيلمه الأخير جداً، افتتاحية الفيلم المذهلة ربطت بين محوري الفيلم: الموسيقى والطبيعة. القصة تتمحور حول أحد الموسيقيّين الذي يفقد الدقة أثناء تواجده حول رفقائه، لكن يجدها خلال لقاءات عدة مع حيواناتٍ متحدثة، مازجاً الحركة مع الصوت بشكلٍ متقن. فيلم “غاوش” كان نتاج فريقٍ صغير: أولاً تاكاهاتا كالمخرج الوحيد ومحرر النصوص بالطبع، وميتشيو ماميا الذي تولّى أمر الموسيقى في الفيلم، ومخرج الخلفيات تاكامورا موكو منتجاً أغلب الخلفيات لوحده، وبالطبع توشيتسوغو سايدا كمصمّمٍ للشخصيات ورسّام المفتاحيّات الوحيد. قد لا يكون أكثر أفلام تاكاهاتا إبهاراً من الناحية التقنية، لكن يوجد تناغمٌ وتناسق ولد من كونه أشبه بمشروعٍ شخصي، ومن الصعب أن يفهم أي شخصٍ من الخارج طبيعة العمل وروحه مثل ما فهمها سايدا. عمله المكد لإنتاج ساعةٍ كاملة من الرسوم المفتاحيّة، على فترة طويلة من الزمن، يعد معلماً آخر في تاريخ الأنمي.

بوصولنا إلى هذه النقطة، يتحتم علينا الحديث عن الاستديو الأسطوري غيبلي، حيث تصبح قصة تاكاهاتا من هذه النقطة مرتبطةٍ به ارتباطاً وثيقاً. ولهذا السبب علينا العودة بالزمن قليلاً لنحكي قصة الركن الثالث للاستديو: توشيو سوزوكي، الذي كان موظفاً لدى “توكوما شوتن”. في عام 1979، انتقل سوزوكي للعمل على مجلة أنمي كانوا ينوون نشرها، “أنيماج”، والتي ما تزال من أكبر مجلات الأنمي حتى يومنا الحالي. تخصص سوزوكي كان تقرير القضايا الجنائية، لذا لم تكن لديه أي فكرة عن الرسوم المتحركة، ممّا اضطره لطلب المساعدة من عدة أشخاص. أحد أولى مهامه كانت الكتابة عن أعمالٍ كلاسيكية، فاختار هو “هورس”. بعد أن تواصل سوزوكي مع تاكاهاتا، كانت خلاصة رده الطويل “لا يمكنني اعطاؤك إجابةً“. لكن تاكاهاتا حوّل سوزوكي إلى ميازاكي، حيث كانت أول مرةٍ يتحدث فيها الاثنان سوياً، لينشئا علاقةً ربما هي الأهم في تاريخ الأنمي. بأية حال، لم تسر أمور مقالة سوزوكي جيداً.

سوزوكي قابل ميازاكي للمرة الأولى خلال كتابته عن فيلم “لوبين الثالث: قلعة كاغليوسترو” ووقع في حب أعماله. على الرغم من تعرضه للتجاهل في البداية، استغل سوزوكي منصبه كمحرر لطلب زيادة المقالات عن ميازاكي، ممّا أدى إلى علاقةٍ حميمةٍ بينهما. نقاشاتهما جعلت سوزوكي يدرك القدرة والموهبة التي لدى ميازاكي، فحاول أن يبدأ مشروع اقتباس إحداها إلى فيلم، لكن هذه المساعي قوبلت بالرفض مباشرةً، فالمستثمرون لم يروا الفائدة في عمل رسوم متحركة غير مبني على مانجا أو عمل أصلي. سوزوكي استغل هذا في إقناع ميازاكي برسم مانجا “ناويشكا”، التي نشرت في مجلة “أنيماج” عام 1982. نجاح المانجا سمح بإنتاج الفيلم أخيراً. منصب تاكاهاتا في الفيلم كمنتج يثير بعض التعجب، لكن قيل كثيراً أنه هو من اكتشف موهبة الملحّن جو هيسايشي وجعله عنصراً رئيسيّاً في هوية غيبلي، بينما أشرف على سوزوكي قبل أن يصبح أحد أبرز المنتجين في الصناعة.

“ناويشكا وادي الرياح” حقق نجاحاً باهراً وشهرةً عالية، لكنه كان عملاً مرهقاً فاحتاج الطاقم لشيءٍ مختلفٍ بعده. ذهب تاكاهاتا في رحلة إلى ياناغاوا، مدينة في فوكوكا تعرف بقنواتها الواسعة، حيث كانوا يفكرون باستعمال هذه المدينة كمرجعٍ لمشروعهم القادم. لكن التغير الأكبر لم يتعلق بماهيّة مشروعهم القادم، بل أين سينتجونه، فالاستديو المنتج لـ”ـناويشكا”، “Topcraft”، كان في طريقه للإفلاس، فقرر طاقم الفريق الأساسيّون إنشاء شركتهم الخاصة: استديو غيبلي. أُنشئ غيبلي كشركةٍ تابعةٍ لـتوكوما شوتين نظراً لعلاقة سوزوكا بالأمر.

على الرغم من كون تاكاهاتا أحد منشئي الاستديو، كان منكهمكاً أكثر في مشروعه الخاص. وقع تاكاهاتا في حب ياناغاوا وسكانها المعتمدين على شبكة قنوات المدينة، لذا عزم على صنع فيلم أنمي عنها، والذي تحول إلى فيلمٍ وثائقي واقعي. ميازاكي، بعد نجاح فيلمه السابق، موّل المشروع بنفسه… لكن ندم على ذلك لاحقاً، فتأجيلات تاكاهاتا المعتادة وإنفاقه الزائد كاد يضع ميازاكي في مأزق. الدافع الأكبر في صنع “لابوتا: قلعةٌ في السماء”(1986)، باعتراف سوزوكي بنفسه، هو جمع بعض المال قبل أن تزيد الأمور سوءاً. مرةً أخرى، يلعب خطأٌ من أخطاء تاكاهاتا دوراً مهماً في تاريخ الأنمي.

عام 1987، وبعد سنتين من التصوير ومرحلةٍ تحريرٍ طويلة، انتهى العمل على “قصة قنوات ياغاناوا”. الفيلم صعب المشاهدة، ليس لضعف الجودة، بل لطبيعته: قرابة الثلاث ساعات من تاريخ ياناغاوا وسكانها، وتعريف مفصل عن علاقة اليابانيّين بالمياه، وخطط انقاذ القنوات التي تدهورت حالتها، كلها بالتفصيل الدقيق حسب ما يهواه تاكاهاتا. لكن يمكن رؤية لماذا كان تاكاهاتا شغوفاً بهذا المشروع، من علاقة الإنسان بالطبيعة حتى النجاح المجتمعي، كانت العناصر المناسبة لتاكاهاتا موجودة. لكن حالما انتهى تاكاهاتا من مشروعه، بدأ سوزوكي بطرح أفكارٍ لمشاريع جديدة في غيبلي. الاقتراحات هذه ووجهت بالرفض، على الرغم من نجاح ميازاكي، فالمستثمرون لم يثقوا بنجاح فيلمٍ لمغامرة بعض الأطفال والحيوانات اللطيفة في عالم ما بعد الحرب – أمرٌ يثير الضحك الآن، بعد رؤية نجاح “توتورو” التاريخي. رد سوزوكي كان في اقتراح صنع فيلمين معاً، بإضافة فيلمٍ مقتبسٍ من رواية أكيوكي نوساكا الذاتية القصيرة عن الحرب، بإخراج تاكاهاتا. كان رهاناً صعباً، وألقى بكاهله على الشركة فإنتاج فيلمين ضخمين في الوقت ذاته صعبٌ جداً، لكن النجاح كان مضاعفاً أيضاً.

إذاً، في شهر أبريل من عام 1988، شهد عالم الرسوم المتحركة حدثاً تاريخيّاً، بالعرض المزدوج لـ”جاري توتورو” و”قبر اليرعات”. سوزوكي استغل الفرصة للتعليق على التباين المبدئي لدى المخرِجَين في طريقة صنعهما للأفلام، فبينما يقتبس الاثنان محيطهما ليبتكرا الأفلام، هدف ميازاكي هو تحريك مخيلات الناس بعرض شيءٍ لم يروه من قبل، بينما تاكاهاتا يركز على الأحداث المعتادة اليومية ليظهر جانباً جديداً للحياة. اختلاف العقليات هذا يمكن رؤيته في طبيعة ميازاكي التي تأخذ المشاهد عالياً في السماء، باستعمال الطائرات المحببة له أو بأساليب سحرية، بينما تبقى قصص وأعمال تاكاهاتا على الأرض.

بالنسبة إلى “قبر اليرعات”، القصة لم تكن موجودةً في الكتاب فحسب بل في ذكريات تاكاهاتا، والتي لم يتردد في وضعها في الفيلم. لم تكن المبالغة الدرامية هي منبع التأثير في الفيلم، بل تمثيله الدقيق والصحيح للحياة في تلك الفترة، أمرٌ لا يمكن إلا لتاكاهاتا فعله. تردي حالة حاجاتهم بالتدريج وتلاشي الحيوية من سلوك الأطفال كانا مؤثرين كما كانت التطورات الرئيسية في القصة، مما يظهر قوة أسلوب تاكاهاتا وتأثيره. عزيمة تاكاهاتا الصلدة حتى أثناء إخراج فيلمٍ كهذا زادت نظرة الناس إلى تاكاهاتا على أنه شخصٌ بارد. قد يكون هذا العمل بعيداً قليلاً من الناحية الشاعرية عن أعماله السابقة، لكن بعد هذا الفيلم بدأ تاكاهاتا يعكس شخصيته أكثر فأكثر في أفلامه. ربما كان هذا الفيلم أشبه بعبءٍ كان عليه القيام به.

قد لا يكون من المبالغة القول أن تاكاهاتا فتح الباب لنوعٍ جديدٍ من الواقعية المنهجية بعد فيلم “قبر اليرعات”، أمرٌ لم يكن موجوداً من قبل في الأنمي وربما حتى في عالم الرسوم المتحركة كله. أعمال تاكاهاتا كانت دائماً واقعيةً إلى حدٍ كبير، إلى درجةً كان يخشى فيها الوصول إلى حد الغرابة بعد مرحلةٍ معينة. في عام 1959، أحد المشاهد في “شونين ساروتوبي ساسكي”، الذي كان هو مساعداً فيه، قوبل بالضحك من الجمهور بدلاً من الرعب (المتوقع منهم)، حيث رسم ياسو أوتسوكا المشهد بطريقة غريبة جعلت المشاهدين يعتبرونه نوعاً من الرسم الكرتوني. حل أوتسوكا للمشكلة كان تغيير توجهه وهدفه، من الواقعية “الخالصة” إلى الواقعية “المصطنعة”، بإيحاء إحساس الحياة بدلاً من نسخها. كانت التجربة مهمةً لتاكاهاتا أيضاً، لكن أوتسوكا كان رساماً بعكسه، لذا احتاج إلى معالجة المشكلة من زاويةٍ أخرى. حلّه هو كان الإيحاء بالحياة الواقعية بعنايةٍ عن طريق بعض السحر، ليس فقط السحر الخيالي، بل بعض النواحي السحرية التي تلعبها اليرعات في فيلم “قبر اليرعات” مثلاً. لحظات خيالية مبطّنةٍ كهذه ستزيد من الآن فصاعداً.

ولو أن تركيزنا على تاكاهاتا، إلا أنه يجدر بنا الحديث عن الفريق الذي جعل أعماله ممكنةً أيضاً. مشاريع غيبلي أشبه بمشاريع شخصية، فالمخرج يبتكر كل التفاصيل حتى أدقها، لكن اضطرار تاكاهاتا للاعتماد على الرسامين وإيمانه بالعمل الجماعي في إنتاج الأنمي هما اختلافان كبيران بينه وبين فريق-الرجل-الواحد ميازاكي. ليس من الغريب كون المخرج لا يجيد الرسم، وتاكاهاتا لديه حسٌّ عالٍ عندما يأتي الأمر إلى تركيب المشاهد رغم نقص مهارته، لكن محافظة مخرجٍ مشهورٍ مثله على الاتساق البصري والفكري في أعماله لعقود مع أطقمٍ مختلفة يظهر مدى صفاء بصيرته. تاكاهاتا كانت لديه دوماً قدرةٌ على اكتشاف المواهب واستطاع دوماً التعبير عن أفكاره بدقة، على الرغم من من انعدام قدراته التقنية أو خلفيته عن الرسوم المتحركة. لقد أحاط نفسه بأشخاصٍ مبدعين، كالراحل يوشيفومي كوندو الذي صمم شخصيات “قبر اليرعات” وأشرف على تناسقهم، بينما أصبح يوشيوكي موموسي يده اليمنى بسرعة. لم يكن موموسي رسام لوحة القصة المفضل عنده فقط، حتى أفكاره التي كان يرسمها في مسوّداته أعجبت تاكاهاتا لدرجة وصولها للفيلم غير معدّلةٍ تقريباً. لا شك أن مزج مهارة أشخاصٍ طموحين كهذين مع توجه تاكاهاتا الواقعي جعل إنتاج فيلم “قبر اليرعات” صعباً، فعلى كونهما بنفس الطول تقريباً، احتاج “قبر اليرعات” إلى 54,660 رسمة مقارنةً بـ”توتورو” الذي احتاج إلى 48,743 رسمة، لكن كانت النتيجة تستحق. توجد في الفيلم دقةً في الحركة وأداء الشخصيات تكاد لا تضاهى خارج أفلام تاكاهاتا الأخرى. كانت تجربةً مهمةً للطاقم كذلك، مظهرةً طبيعة الواقعية المدروسة المحدودة لأمثال يوشيجي كيغامي، بينما أظهرت بعض المشاهد الأيقونية دقةً في الرتم والحجم تلائم توجه الواقعية التصويرية آنذاك والذي تحدث عنه باحثون مثل يويتشيو أوغورو. شهرته سهّلت العديد من وسائل التعبير للصنّاع من خارج المشروع حتى، فقد أثبت تاكاهاتا جدارة هذا المجال الجديد في الرسوم المتحركة. “قبر اليرعات” كان نجاحاً ضخماً أبعد من المتوقع.

لم تمر سنةٌ حتى أخرج لنا غيبلي تحفةً أخرى. “خدمة توصيل كيكي” أسر قلوب العديد من الشابّات، وتاكاهاتا ساعد ميازاكي مرةً أخرى كـمخرج موسيقى. لكن هذا المشروع وضعهما أمام مشكلة: رغم حصول “كيكي” على ضعف ميزانية الأفلام السابقة، حصل العاملون على مالٍ قليل مقارنةً بالجهد الذي بذلوه. ضخامة المشروع، وعدد التعديلات والتصحيحات المطلوبة عند العمل مع شخصٍ متطلّب مثل ميازاكي، والعدد الهائل من الرسومات، واضطرراهم للاستعانة بعاملين حرّين بعقودٍ لكل مشروع(الطريقة التي تتم فيها الأمور حتى يومنا هذا) كلها جعلت فكرة العمل على فيلم غيبلي غير محبّبة. تاكاهاتا وميازاكي حاربا دوماً من أجل حقوق العمال في شبابهما، وأنشئا غيبلي على قاعدة بقاء العاملين في الاستديو ما داموا مرتاحين فيه. الحلّان الوحيدان أمامهما كانا إغلاق الاستديو، أو المراهنة بكلّ شيءٍ لإعادة تشكيله. في بادرةٍ نادرةٍ في الصناعة، قررّا إعادة تشكيل الاستديو. سيقدم غيبلي من الآن فصاعداً عقوداً دائمةً لكل الطاقم وسيكرّسون نفسهم لتدريب الشباب، منشئين بذلك أسلوبهم الخاص في الرسوم المتحركة ومخفضين اعتمادهم بشكلٍ كبير على العاملين الخارجيّين.

أول الأفلام التي ستسير على هذا النهج كان فيلم تاكاهاتا “فقط بالأمس”، فيلمٌ يمزج بين البلوغ والشباب بدون مخاطراتٍ كبيرة. الموظفة البالغة 27 سنةً من العمر تايكو اوكاجيما لا يمكنها نسيان ذكريات طفولتها خلال زياتها للريف في العطلة، وهو ما أنشئ إزدواجيةً أنيقةً تستمر طوال الفيلم على عدة مستويات. المتدربون من الجيل الأول لغيبلي، كـماساشي أندو وكينيتشي يامادا، كان عليهم إنجاز متطلبات تاكاهاتا الصعبة مثلما يفعل مخضرمو الاستديو. النتيجة انقسمت إلى نصفين تقريباً: ذكريات تايكو كانت مرسومةً ببساطةٍ وبتعابير مبالغٍ فيها قليلاً، بينما مشاهدها المعاصرة أظهرت واقعيةً غير مسبوقةً مع التركيز على عضلات الوجه والحركة المحدودة. بشكلٍ عام لم يتفوق مستوى الرسوم والتحريك على ذاك الذي في “قبر اليرعات”، لكن تاكاهاتا لم يفوّت الفرصة ليتفوق هو على نفسه في مشهدٍ أيقونيّيٍ آخر. تاكاهاتا لم ينسَ مطلقاً كيف ظهر فعل قطع البطيخة في “قبر اليرعات” عديم الجهد بشكلٍ خادع، لذا شدّد على الرسامين وألزمهم برسم مشاهد قطع الفاكهة بعنايةٍ في هذا الفيلم. هذا ساهم في إنتاج أحد أبرز المشاهد في “فقط بالأمس”، فكان البناء لمشهد تناول العائلة لفاكهةٍ غريبةٍ عليهم مثل الأناناس لأول مرة أفضل بكثير بإظهار الإعداد المفصّل للفاكهة، ممّا جعل مشهد إحباطهم الظاهر لكن المكبوت لتناولهم أناناساً غير ناضجٍ مذهلاً.

إلى جانب الرسوم والتحريك، أفضل تطبيق لإزدواجية هوية الفيلم كان التلوين والخليفات. مفتوناً بعمله في “توتورو”، طلب تاكاهاتا من الشهير كازو أوغا رسم خلفيات فيلم “فقط بالأمس”، وكانت مطالبه دقيقة: مشاهد الطفولة عليها احتواء اللون الشاحب للذكريات، متلاشياً عند الأطراف فقط ومظهراً بوضوح الأمور التي جعلت من هذه الذكريات عالقةً في ذهن تايكو. من ناحيةٍ أخرى، خلفيات مشاهد الحاضر يجب أن تكون بالتفاصيل الواقعية. التناظر هذا، الذي يبرز بسهولة داخل المباني وخارجها، جعل من كل فترةٍ زمنية سهلة التمييز، متيحاً حريةً أكبر في رواية القصة. وفي الوقت ذاته عبّر هذا التوجه عن نفسية البطلة بشكلٍ جيد، مظهراً بأناقة للمتفرجين الأجزاء التي بقيت مع تايكو من ذكرياتها. تاكاهاتا جعل من عنصرٍ يعتبر ثانوياً كالخلفيات أحد أدوات رواية القصة الرئيسية، مبرّراً بذلك قراره بأخذ كامل فريق الخلفيات لاستكشاف الأماكن معه، وهو أمرٌ لا يحدث كثيراً. الجمال الذي أُظهرت به نبتة العُصفر في الفيلم لن ينسى، وهي السبب في اختيار العديد من العناصر الرئيسية للفيلم، لكن بقي بعضٌ من الطاقم متحسّرين. حتى اليوم، ما زال أوغا يعتقد أنهم بالغوا في مشاهد الحاضر، وأنه كان بإمكانهم إظهار حسٍّ بالواقعية باستعمال خلفياتٍ أقل تعقيداً.

هذا السعي خلف توجهٍ واقعيٍّ أقل تكلّفّاً يمكن رؤيته في “بوم بوكو”، فيلم تاكاهاتا التالي مع أوغا كمخرجٍ للخلفيات. بناءً على معرفته بالمكان، استطاع أوغا التعبير عن جوهر العالم خلال فصول السنة دون اللجوء إلى التفاصيل المبالغ فيها التي كانت في مشاهد الحاضر من “فقط بالأمس”، متّفقاً بذلك مع تاكاهاتا نفسه، الذي بدأ يبتعد عن الواقعية المبهرجة الذي جربها في بضعٍ من أفلامه. “بوم بوكو” تضمن تحريكاً أكثر كرتونيّةً، وستتضمن أعمال تاكاهاتا التالية العديد من الجماليّات المتنوعة. الطبيعة الخيالية بشكلٍ عام للفيلم أتاحت المجال لبعض الأفكار المرحة والإبداعية، فكان الفيلم من أكثر أفلام تاكاهاتا المتنوعة بصرياً. على الرغم من هذا ومن هذا النجاح الجيد في اليابان، يتم تجاهل هذا الفيلم عادةً بين أفلام تاكاهاتا الأخرى.

ولو أن الفيلم لم يأتِ بشيءٍ جديد كما فعلت أعمال تاكاهاتا الأخرى، الطريقة التي يقدم بها الفيلم بعض اهتمامات تاكاهاتا المتكررة تشكل عملاً مثيراً للإهتمام إن أردت فهم رؤية تاكاهاتا. بصنع فيلمٍ عن الأمور التي نتركها خلفنا بعد تطورنا كمجتمعات، وببطولة حيوانات من الفلوكلور على ذلك، يقدم تاكاهاتا صورةً لأحد الأشياء المغرم بها: المخطوطات اليابانية، والتي كتب عنها كتباً كاملةً ويزعم مشاركتها الجذور الفنية مع الأنمي. لكن أكثر الجوانب المثيرة في الفيلم ربما كانت التعليقات اللاذعة على التطور الأعمى الذي أتى على حساب الطبيعة في التسعينات. الرسائل السياسية المبطنة كانت جزءاً من أعماله منذ التلميحات عن حرب الفيتنام في “هورس”، وأفكاره المتعلقة بعلاقة الإنسان بالطبيعة ظهرت دوماً في أفلامه، كالمحادثة التي جرت عن الحياة الزراعية في “فقط بالأمس”. لكن لم تكن هذه الأمور بارزةً كما في “بوم بوكو”. مقارنةً بإيمان ميازاكي بحماية البيئة، يصب تاكاهاتا تركيزه على التوازن الحساس بيننا وبين الأرض، في علاقة أخذ وعطاء. بعد مراجعته لعمله أثناء “آن”، استرجع تاكاهاتا ذهوله بقرية “Upper Canada”، التي تشبه المتحف الحي الذي ينقل الحياة كما في قريةٍ صغيرةٍ من القرن التاسع عشر. التعاون مع الطبيعة سحره، لدرجةٍ جعلته تمنى وجود شيءٍ أو مبادرةٍ مشابهةٍ لها في اليابان، ليس لإقناع الناس بالعودة للماضي، لكن لتعريف الأطفال بالتوازن الذي يجب أن نطمح له.

عند هذه النقطة، بدأ تاكاهاتا يشعر بأن عمله انتهى. بعد عقودٍ من إنتاج الأنمي، لم يعد الأمر مثيراً كما كان. لكن حصل تغييرٌ ضخم، ليس لتاكاهاتا فحسب بل للصناعة كلها: الإنتاج الرقمي. ترك السيلولويد أتاح العديد من الإمكانيات لصنّاع الأنمي، وهو أمرٌ لا يمكن لتاكاهاتا تفويته. بدلاً من تقبل التلوين الرقمي كما هو، قرر تاكاهاتا تحدي أساسيات الإنتاج مرةً أخرى. بغض النظر عن التقنية المستعلمة، تم إنتاج الأنمي على مبدأ وضع طبقة الشخصيات فوق طبقة الخلفيات الملونة، في محاولة لإنتاج صورة كاملة توحي بالتكامل والتناسق. في فيلم “جيراني عائلة يامادا” ضرب كل هذا بعرض الحائط، الفيلم حاول أن يكون كالخربشات التي منحت الحياة، بأسلوبٍ مبسطٍ أكثر بالاستغناء حتى عن الخلفيات في العديد من الأحيان والاكتفاء برسوم رسام التحريك فقط لإنتاج لقطاتٍ أكثر طبيعية. تجارب موموسي مع رسوم الكمبيوتر(CG) انسجمت مع الأسلوب الفني، والأداء الدقيق للشخصيات لم يتعارض مع بساطة الفيلم. حتى أسلوب رواية القصة التقليدي تم تجاهله، حيث كان فيلماً ممتعاً ولطيفاً مبنيّاً على مانجا أربعة لوائح (4-Panel, يونكوما).

للأسف لم يكن ثمن الإبداع هذا رخيصاً. اعتاد غيبلي على إنتاج الأنمي بناءً على الطريقة المعتادة، بعض المشاهد المميزة يمكن تحملها، لكن الخروج التام عن النظام المعتاد سبب ضغطاً كبيراً على بعض الأقسام بينما كان آخرون بلا شيءٍ ليفعلوه. تاكاهاتا أجبر العديدين على تعلم مهاراتٍ جديدة بينما بقيت العديد من موارد الاستديو الأخرى بلا استعمال، مما سبب بعض الفوضوية. ميازاكي، وبشكلٍ واضح، جعل الجميع يعدونه بعدم إنتاج فيلمٍ كهذا مرةً أخرى، بعدما رأى الحالة التي كانوا عليها عندما أتى وقت العمل على فيلم “المخطوفة”. بشكلٍ عام، يمكن القول أن “عائلة اليامادا” كان فيلماً ناجحاً، من ناحيةٍ فنّيّةٍ على الأقل. أما من الناحية المادية، ففيلمٌ كهذا فشل قبل أن يعرض، حيث كان يفتقر لهوية غيبلي الشهيرة التي تجلب العديدين لمشاهدة الفيلم. تاكاهاتا لم يكن غافلاً عن هذا، لكن بدلاً من التعبير عن استيائه من الجمهور، يبدو أنه تقبل الواقع بهدوء. بالنسبة لفنان دوماً يسعى لتجربة شيءٍ جديد والبحث عن أساليب جديدةٍ للتعبير، لا شيء يثير الخيبة أكثر من كونك أسير أسلوبٍ ثابتٍ للاستديو الخاص بك.

هل سيأتي مشروعٌ آخر لتاكاهاتا بعد تلك المأساة؟ لوقتٍ طويل كان الجواب لا، خاصةٌ مع فقدان تاكاهاتا اهتمامه بصناعة الأنمي، ربما ليس بابتكار الرسوم المتحركة عموماً بعد مشاركته في فيلم “أيام الشتاء” في عام 2003. مسيرته كمخرج وصلت لذروتها بعد إدراكه نموذجاً لإنتاج الأنمي لا يمكن السير عليه بشكلٍ مطول. بعد أن غيّر الطريقة التي ينتج بها الأنمي، وفتح مجالاتٍ جديدةٍ أمام الصنّاع، وتمكن من زعزعة توازن أقوى استديو إنتاج أنمي في اليابان بطرقه الغير معتادة. إنجازاته وإخفاقاته غيّرا شكل الأنمي على حدٍ سواء. شعور المخرج بالرضى لا يتماشى دوماً مع شعور المعجبين، حتى لو كانوا من الشركة ذاتها، هذا ما حصل مع منتج غيبلي الشاب يوشياكي نيشيمورا. استغرق الأمر منه سنةً ونصف من الاجتماعات المتكررة مع تاكاهاتا ليقنعه بإخراج فيلمٍ جديد. كان هذا في عام 2005، لكن الفيلم لن يعرض حتى عام 2013، بعد العديد من التأجيلات.

كما ورد في الفيلم الفيلم الوثائقي “إيساو تاكاهاتا وقصته للأميرة كاغويا”، هذه السنين الثمانية مضت في محاولة إنجاز هذا المشروع المستحيل. تاكاهاتا وافق على فكرة نيشيمورا فقط بشرط إنتاج شيءٍ لم يسبق له مثيل. ليس لكونه آخر مشاريع تاكاهاتا أو ما شابه، هكذا كانت عقليته في آخر أيامه فحسب. تاكاهاتا اتخذ أسلوباً مطوراً من ذاك الذي في فيلم “عائلة اليامادا”، ليصلوا إلى أسلوبٍ أسموه “أسلوب الخربشات“. الفكرة الأساسية للأسلوب هي أن الرسومات السريعة أو الخربشات تحوي طاقةٍ تفقدها الرسومات الأكثر حرصاً ودقة، لذا أراد تاكاهاتا المحافظة على هذه الأحاسيس بعدم “تنعيم” الخطوط، فتصل هذه الخطوط الخشنة للمشهد النهائي دون تعديلها. هذا الأسلوب تمركز حول أوسامو تانابي، الذي بدأ العمل مع غيبلي كرسّام بينيّات في فيلم “قبر اليرعات” ثم انتقل تدريجيّاً إلى مراتب أعلى وأهم في أفلام تاكاهاتا. على الرغم من قضاء وقتٍ طويل في تعريف وتحديد الأسلوب، التوجه الجديد حيّر الرسامين وحتى الأكثر خبرةً بينهم. هذا لم يكن العائق الوحيد أيضاً، فلوحة القصة احتاجت أربع سنين لتكتمل، الخلفيات الملونة بالألوان المائية تحتاج لإعادة التلوين حتى عند وجود خطأ بسيط، نقص نموذج موحد للألوان والتحديد لكل مشهد… الطاقم، وحتى تاكاهاتا نفسه، بدؤوا يشكون في اكتمال المشروع. لكن لحسن الحظ حصل ذلك.

“قصة الأميرة كاغويا” عرض في السينما نوفمبر 23 من عام 2013. نتيجة عمل استديو غيبلي 7 كانت فيلماً تاريخياً لن ينسى. بعد شهرته كمخرجٍ منطقي وبارد، عمل تاكاهاتا حوّل أقدم قصةٍ في اليابان إلى قصةٍ مليئةٍ بالمشاعر. الفنان غير القادر على الرسم رحل عن عالم الرسوم المتحركة تاركاً خلفه هذه الهدية الأخيرة. هذه الهدية لم تغير منظومة الصناعة، فقد أصبح عمله منتظماً في النهاية، لكنها احتوت قيمةً عاليةً. لم يكن تاكاهاتا مخرجاً أسيء فهمه، فصراحته وأفعاله الموثّقة صوّرته بشكلٍ واضح. لكن ربما بسبب التركيز على بضعةٍ من أعماله فقط وجدت عادة اعتباره مخرجاً منتظماً دوماً. لكنه كان شخصاً يتطور بعد كل مشروع، مغيّراً هدفه، وبالتبعية طريقته في تحقيقه. تاكاهاتا غيّر نفسه وعالم الأنمي معها، وربما غيّر نظرة العديدين ليس للأنمي فقط، بل للحياة.

Special thanks to kViN

عن AnimeTherapy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دليلك الشامل لقائمة العاملين بنهاية الأنمي: الجزء الثالث

مضى بعض الوقت على الجزء السابق من هذه السلسلة، التي تحاول تسليط بعض الضوء على ...