سحر الخيال الأدبي في أعمال ميازاكي

 

سحر الخيال الأدبي في أعمال ميازاكي
عن التراث الأدبي الغني لاستديو جيبلي

كتابة: غابرييل بيلوت

“لقد أقلعت عن خلق النهايات السعيدة بمعناها الحقيقي منذ زمن طويل”، هذا ما قاله مخرج الأفلام والرسام الياباني هاياو ميازاكي للروائي ريو موراكامي في عام 1988. ميازاكي الذي كان في السابعة والأربعين من عمره حينها ولا يزال في بدايات مسيرته المتألقة مع استديو الرسوم المتحركة، جيبلي، لم يعنِ بما قاله أن أفلامه تحوي نهايات سوداوية أو حزينة. وعلى العكس، فإن أحد أكثر أفلامه المحتفى بها، “كيكي لخدمة التوصيل”، كان يحوي نهاية مبهجةً إلى حدٍّ ما. وإنما كان يشير بحديثه إلى التعقيد الروائي القصصي في أفلامه، حيث يغدو ما يعنيه أن تكون الشخصية خيرة أو سيئة، رجل أو امرأة، شابٌ أو كهلاً أمرًا ضبابيًا و متماهيًا بدلًا عن أن يكون منفصلًا بشكل ازدواجي. وعلاوة على ذلك، فقد كان ميازاكي يشير أيضًا وبشكل غير مباشر إلى القيمة الأدبية في العديد من أفلامه. مما لا يعد مصادفة، فالعديد من أفلام جيبلي، بالإضافة إلى أفلام مخرجي جيبلي قبل تأسيس الاستديو، وأبرزها أفلام ميازاكي كـ”ـناويشكا أميرة وادي الرياح” و”قلعة هاول المتحركة” و”قلعة في السماء” و”الرياح تهب” وكذلك فلم ابنه غورو “حكايات من أراضي البحار” وفلم “حكاية الأميرة كاغويا” للمخرج إيساو تاكاهاتا، كل هذه الأعمال لديها تاريخ طويل من الاقتباس المبدع والخلاق لأعمال أدبية شهيرة أو أقل شهرة إلى أفلام تتلاعب مع الأدب المقتبس منها. قامت أفلام جيبلي بإعادة تكوين العديد من الأعمال الأدبية بداية بقصائد بول فاليري وهومر لرحلات غاليفر لجوناثان سويفت وانتهاءً بحكايات يابانية شعبية مثل “حكاية قاطع الخيزران” و”السيدة التي أحبت الحشرات”. إرث جيبلي كان محور معرضٍ كبير في طوكيو انتهى هذا الشهر، احتفالًا بذكرى ثلاثين عامًا على أفلام جيبلي، ومع ذلك، فالقليل نسبيًا من الدراسات للاستديو قد ركزت على المادة الوراثية الأدبية المَجدُولة خلال أفلامهم.

قد تبدو اقتباسات الأفلام من الكتب معقدةً إلى حدٍ ما. حيث يحوي الفلم الكتاب، كما يحوي الكتاب حتميًا بشكل أو بآخر، بذور الفلم، كجسيمات في مرايا بورخيسية متقابلة. ولكن من الواجب التعامل مع مؤلف الكتاب كما لو لم يكن موجودًا. فالتحكم الآن بيد الناقد الخلاق والمخرج بالإضافة إلى الممثلين والرسامين وغيرهم. المؤلف الخالق، كما يصفه رولان بارت، يعد ميتًا في هذا السياق. وفي النهاية، فإن العمل المُقتَبس هو عمل جديد يعكس بصورةِ ما العمل القديم،  وهذا لا يعد مختلفًا كثيرًا عن الكتابة بحد ذاتها، لأن الكتابة تعد عملًا تعاونيًا دائمًا بمعناها الخاص، حتى وإن كنا نمارسها وحيدين، لا تحيط بنا سوى أشباحنا. ولمنع اقتباسات الروايات من أن تكون طويلة بشكل غير عادي، فإن الأعمال المقتبسة غالبًا ما تهمل أو تحذف الكثير. (أشهر مثال على ذلك هو غالبًا النسخة الحديثة من فلم الطمع الصادر في عام 1942، وهي النسخة المغمورة الخالية من أي أحداث مقتطعة والتي استمرت لأكثر من 9 ساعات). أن تقتبس، بالمعنى الأسوأ، هو أن تنسخ، أن تنفذ إعادة إنتاج آلية لا يمكن اطلاقًا إعادة إنتاجها، لكن أن تقتبس، بالمعنى الأفضل، هو أن تعيد تكوين الطريق الذي عبره الكاتب خلال حديقة غنّاء متخمتة بالمسارات المتفرعة، وبأن تعزم حاملًا بيدك فانوسًا يضيئ عقلك في ظلام الليل، أن تسلك مسارًا جديدًا يشابه النسخة الأصلية ولكن يتفرد عنها بوضوح. وميازاكي وتاكاهاتا يعدّان من أفضل معيدي التكوين على قيد الحياة اليوم.

*      *     *

يُقال بأن بداية الأنيمي بشكل عام- الاسم الذي يطلق غالبًا على الرسوم المتحركة اليابانية – كانت غالبًا في 1963 مع سلسلة أوسامو تيزوكا الرائدة، أسترو بوي. ورغم ذلك، من الناحية الفنية، يعود تاريخ الرسوم المتحركة اليابانية في الواقع إلى العقود الأولى من القرن العشرين. تم عرض الرسوم المتحركة الغربية للمرة الأولى في اليابان في حوالي عام 1912، وظهرت أعمال الرسوم المتحركة المصممة من قبل فنانين كـجونيتشي كويتشي وسيتارو كيتاياما بالتزامن مع ذلك الوقت. هذه الأعمال، والتي كانت صامتة، كانت تحوي غالبًا على بينشي، وهو الراوي الذي يقرأ عناوين الشاشة بصوت مرتفع ويقوم بأداء الأصوات ووصف الحركة. كان لكلٍّ من القصص المصورة الغربية، كقصة “نيمو الصغير في سلمبرلاند” لوينسر مكاي، والأعمال الرسومية اليابانية على القطع الخشبية تأثيرٌ عميق على الأعمال الأولى في الرسوم المتحركة اليابانية. ولسوء الحظ، فُقدت معظم هذه الأعمال القديمة في زلزال كانتو العظيم عام 1923 والذي دمر طوكيو، مما أدى إلى بقاء الرسوم المتحركة كوسطٍ فنِي هامشي نسبيًا في اليابان بجانب الأفلام الحية إلى أن شق أسترو بوي طريقه إلى الشاشة بأعينه الواسعة الأيقونية – متأثرًا ببامبي وبيتي بوب – والتي برزت لاحقًا بتعريفها لهذا الوسط. وفي عام 1985، قام كلٌّ من ميازاكي وتاكاهاتا وتوشيو سوزوكي بتأسيس استديو جيبلي، والذي أصبح سريعًا أحد أشهر استديوهات الرسوم المتحركة في العالم.

لاستديو جيبلي تاريخ عريق من دمج عناصر أدبية أو اقتباس أعمال أدبية مباشرةً إلى الشاشة. فحين أبدى ميازاكي رغبته بصناعة فلم “ناويشكا أميرة وادي الرياح”، اعترض رفيقه المنتج توشيو سوزوكي على فكرته بسبب عدم وجود قصة مصورة لربطها معه، فقد كان من المعتاد حينها – ولا يزال إلى حد ما – وجود سلسلة مانغا أو لايت نوفل كي ترافق إنتاج الأنيمي. (ولذا فقد قام ميازاكي برسم نسخة مانغا من ناويشكا مكونة من ألف صفحة). تحتوي العديد من أفلام جيبلي على حسٍّ سحري خاص حيث قد يتم مسخ الشخصية فيها إلى أشياء أخرى، مسترجعة بذلك أعمال أوفيد وهومر والحكايات الشعبية اليابانية، كالمشهد الشهير في فلم “المخطوفة” حيث يتحول والدا تشيهيرو إلى خنازير نتيجةً لطمعهم، بشكل مختلف عن سحر سيرس في “الأوديسة”. أفلام جيبلي الأخرى تحتوي على حس عجائبي غرائبي يذكرنا بروايات جوزيه ساراماغو وكينجي ميازاوا وغابرييل غارسيا ماركيز. وقد سعى غورو، ابن ميازاكي، إلى اقتباس قصة أورسولا لي جوين “حكايات من أراضي البحار” إلى فلمه بنفس العنوان، مع أن نسخة غورو، والتي تم انتقادها بشدة بشكل واسع، تختلف بشكل هائل عن رواية لي جوين.

والعديد من أعمال الأنيمي خارج استديو جيبلي تحتوي كذلك على روابط مع الأدب. فأنيمي “هلسينغ” هو نسخة قوية متأثرة بالحرب العالمية الثانية وتابعة لرواية دراكولا من تأليف برام ستوكر. وقد تم اقتباس رواية غاليفر الرحال إلى أكثر من أنيمي متأثر بالخيال علمي. أما جذور أنيمي “سكة المجرة 999” فتعود بصورة واضحة إلى رواية ميازاوا الأخاذة والأقرب للأحلام، “ليلة في مجرة السكة الحديدية” والتي نشرت في عام 1934. وفلم “أكيرا” الرائد في عام 1988 يقتبس من المانغا الخاصة به والأطول منه عن طريق تصميم تقطيعات درامية مما يجعل من الصعب عدم اعتبار كل منهما نصًا منفصلًا عن الآخر. وكأي شكل من أشكال الفن، فإن الأنيمي قد يستلهم من مناجم أدبية عميقة، كما يمكن له أن يستلهم من مناجم تاريخية أو سياسية أو فلسفية، ومع أن النتيجة النهائية لا تماثل دائمًا العمل الأصلي، إلا أني أهوى كيفية اختلافهما. فبعد كل شئ، فإن الاقتباس الأفضل يجعل دائمًا النسخة الأصلية تبدو جديدة ومنتعشةً مرةً أخرى.

*      *     *

وحتى قبل بداية جيبلي. كان ميازاكي يحول النصوص إلى صور متحركة. فقد بُني فلمه الأول، “قلعة كاغليوسترو”، على المانغا الشهيرة – وسيئة السمعة – للوبين الثالث، والتي بحد ذاتها تعد عملًا متخيلًا لحفيد لص خيالي، أرسين لوبين، وهي شخصية خلقها الكاتب موريس لوبلان قبل ذلك باثنين وستين عامًا بهدف أن يكون جزئيًا نظيرًا لشارلوك هولمز. قرر ميازاكي أن يبث في عالم لوبين اللطف والتغييرات الطفيفة للشخصية التي تخللت أفلامه اللاحقة، وهذا أدى إلى تصوير أرسين لوبين الثالث بشخصيته الفجة وعديمة الأخلاق في المانغا بكونه شخصيةً أكثر تعاطفًا ورحمة. لا تزال شخصيتا لوبين تظهران كلصين بارعين ومغرورين، ولكن لوبين في المانغا عدائي الشخصية وقاسي غالبًا، وقد يصل ذلك لدرجة اعتداءه على النساء اللواتي ينكرن تقدمه، بينما لوبين في فلم ميازاكي يُصور كسيد مهذب رقيق القلب، يرغب بإنقاذ امرأة أكرهت على زواج سياسي. تغييرات ميازاكي أدت إلى انفصام محبي المانغا. ففي حين أن فلم “كاغليوسترو” هو أقرب فلم لميازاكي لتصوير الفروق الحادة بين الخير والشر، وبين الصور النمطية لمبادئ الاختلافات النوعية وحتى بين أبطاله وشخصياته الشريرة وبين شخصياته الذكور وشخصياته الإناث، فهو ينتهي باحتواءه القليل من كل شئ: الخير والشر والقوة والضعف. ورغم ذلك، فإن الصور النمطية الكاريكاتارية، بكون جنس ما هو “القوي” بينما الآخر يحتاج لمن ينقذه، وبكون أحد الشخصيات هو بطل ملحمي بكل المعايير بينما الآخر شريرُ فاسد بكل المعايير قد تم هدمها ببراعة في هذا الفلم. بغرسها لحياة جديدة في النص الذي تقوم بإعادة تكوينه. يطرح فلم ميازاكي تساؤلًا: هل لوبين الذي يظهر في فلمه يعد ذاته لوبين في الكتاب الأصلي؟ وهل كل شخصية مُقتبسة مطابقة للأصلية؟ تحتوي الإجابة حتميًا على الإثبات والنفي. ولا يوجد خطأ في ذلك. فالأصل يبقى هو الأصل، ومن حين لآخر، قد يكون المتمرد عن الأصل هو الأفضل.

“ناويشكا أميرة وادي الرياح”، الفلم الأول الرائد لميازاكي والأخير قبل تأسيس استديو جيبلي، كان عملًا مستمدًا بشكل غريب من أعمال أدبية متنوعة. يحكي الفلم حكاية ملحمية عن الأميرة ناويشكا في عالم أهلكت فيه الحروب الكوكب، وعلى إثر الكوارث، انتشرت وتجذرت الغابات المسممة والحشرات العملاقة، مع القليل من المجتمعات البشرية المترامية الأطراف. صرح ميازاكي في ختام مانغا ناويشكا الخاصة به بأن الشخصية الأساسية المدعاة بـناويشكا، هي توليفة من شخصية بالاسم ذاته في “الأوديسة” لهومر وأميرة غريبة الأطوار من “السيدة التي أحبت الحشرات” وهي حكاية يابانية من القرن الثاني عشر، ومع ذلك، فإن ناويشكا في فلم ميازاكي تختلف عن ناويشكا في عمل هومر، وهذا يعد طبيعيًا، فقد ذكر بأنه قد قرأ عنها للمرة الأولى في كتيب لبيرنارد إيفسلين للميثولوجيا اليونانية، حيث تم تعريفها بشكل غريب نوعًا ما بكونها “محبة للطبيعة”. وهذه الصورة المحورة لناويشكا هي التي أحبها المخرج. لاحقًا، عندما قرأ ميازاكي “الأوديسة”، شعر بخيبة الظن حين اكتشف اختلاف نسخة ناويشكا في عمل هومر عن كتيب إيفسلين، وحسم أمره بأن شخصية ناويشكا لإفسلين هي ناويشكا الحقيقية – في كلا الملحمة الشعرية والفلم -. وفي الفلم فإن ناويشكا بالتأكيد محبة للطبيعة، وهي أيضًا وبشكل واضح محبة للحشرات كما في الحكاية اليابانية. ولكن تصوير ميازاكي للأميرة يظهرها بكونها امرأة محبوبة وقوية وعطوفة، في حين أن حاملة هذا اللقب في الحكاية اليابانية القديمة تتجنب الجميع بسبب تمردها على الأعراف الثقافية، فهي على سبيل المثال تمتنع عن صبغ أسنانها بالسواد كما كانت العادة، وصداقاتها مع الحشرات التي تجمعها كانت أقرب من صداقاتها مع الناس التقلييدين حولها. هُنا تظهر صورة لشخصية خيالية معادة التكوين مبنية على شخصية خيالية كذلك. ولذا فإن ناويشكا تطرح تساؤلًا عن المدى الذي يمكن للشخصية فيه أن تملك وجودًا مستمرًا ومتغيرًا بداخل النص .

يعد فلم “لابوتا: قلعة في السماء”، فلم جيبلي الأول وأحد أهم المحاور في معرض طوكيو 2016، عملًا مدهشًا مستلهمًا ومعاداً تكوينه من الجزء الثالث لـ”ـرحلات غاليفر”، حيث يخوض راوي القصة غاليفر المهووس بالسفر مغامرةً في جزيرة عائمة وغامضة تُعرف بـ”ـلابوتا”. ومن الملائم أن عنوان هذا الجزء من نص سويفت هو “رحلة إلى لابوتا… وإلى اليابان”، فكما انتهى المطاف بغاليفر بشكل بسيط في اليابان، فإن المخرج الياباني ينتهي بصورة أو بأخرى في لابوتا. هذا لم يكن محض صدفة. فقد صرح ميازاكي عند حديثه عن جزيرة الفلم العائمة في مقابلة عام 1997 بأنها “هي الجزيرة العائمة في السماء في الجزء الثالث من مغامرات غاليفر من تأليف جوناثان سويفت”. يعد فلم “قلعة في السماء” في الحقيقة التجربة الثانية في ولوج ميازاكي لعالم “رحلات غاليفر” وإعادة تكوينه، فقد عمل سابقًا كرسام بيني(1) في عمل معاد صياغته بشكل حديث من عام 1965 يدعى “غاليفر يسافر لما بعد القمر” بمستوى جيد من الإضافات الخلاقة والإبداعية، تحديدًا في نهايته.

تشكل جزيرة سويفت العائمة والتقنية التي تمدها بالطاقة جوهر فلم “قلعة في السماء”. أما من ناحية القصة فإن الفلم ذا ارتباط ضعيف برواية سويفت، ويبدو الأمر كما لو أننا نرتحل إلى عالم لابوتا بعد عقودٍ من رحلة غاليفر. فغالفير لمح لابوتا بعد أن قُذفت سفينته لتخرج عن مسارها بسبب العاصفة وهُوجمت من قبل القراصنة، حيث تقطعت به السبل وجدف إلى جزيرة صخرية مهجورة، ومن هناك، رأى الجزيرة العائمة أعلاه في السماء. أما في “قلعة في السماء”، يرى والد بازو لابوتا للمرة الأولى حين يكون في سفينة طائرة قد خرجت أيضًا عن مسارها بسبب العاصفة، يتردد صدى البطل السنديبادي في حكاية سويفت بصوت ضعيف في الفتى المغامر بازو – والبطلة الشجاعة شيتا – واللذان هما أبطال الفلم، حيث يسعى كلاهما لإيجاد ذاتيهما من خلال مغامراتهما مثل غاليفر، وكلاهما يلتقيان بلابوتا بعد، كما في رواية سويفت، لقائهما بالقراصنة – قراصنة البحر في العمل الأول وقراصنة السماء في الآخر -. وتعرف أفلام ميازاكي كذلك بشخصيات فتياتها القوية، وفي حين أن قائد القراصنة الذين كمنوا لغاليفر في حكاية سويفت كان هولنديًا متحجر القلب. صوّر فلم “قلعة في السماء” القائد بشكل مغاير في شخصية دولا، وهي امرأة عدوانية وأم حنون. كلًا من جزيرتي لابوتا في الرواية وفي الفلم قد تم تصميمها كطبقات متتالية، ففي قصة سويفت تحتوي لابوتا على “تدرجات عديدة متعاقبة من السلالم والمعارض”، أما لابوتا في فلم ميازاكي، والتي تحاكي اللوحات الفنية لفريتز لانغ أو بيتر بروغل الأكبر، تبدو كالمدينة الفاضلة على السطح ولكنها تحتوي على أسرار خبيثة في أعماقها. وكلٌّ من “رحلات غاليفر” و”قلعة في السماء” يشتملان على أبعاد سياسية واضحة. وبالفعِل فمن المعروف أن جزء لابوتا من رواية غاليفر قد تم اقتصاصه واختصاره عندما قرر سويفت أن يدرج جزءًا بدا وكأنه مناشدة استعارية لسكان المستعمرة الإيرلنديين كي ينهضوا للنضال ضد البريطانيين، وهذه الاستعارة قد جاءت في صورة الجزيرة العائمة التي هبطت على ليندالينو، وهي مدينة في جزيرة في البحر، كما يهبط المستعمرون على الإيرلنديين- وفي قيام سكان ليندالينو باستخدام تقنياتهم الخاصة بعبقرية كي يناضلوا ويصدوا هجوم سكان لابوتا. وبالمثل، فإن أفلام ميازاكي تحتوي، كما العديد من أعماله، هجمات ضد الحروب الصناعية الجشعة.

قد يعود الاقتباس الأدق والأوضح في جيبلي إلى إيساو تاكاهاتا، الذي يعد فلمه المتألق والمؤلم، “الأميرة كاغويا”، إعادة تكوين بينة لـ”ـحكاية قاطع الخيزران”، وهي أقدم مونوغاتاري أو حكاية من التراث الياباني قد تم إيجادها، وتحكي قصة قاطع خيزران وزوجته وأميرة تنمو بشكل خارق وجدها الزوجان حين ولدت بصورة سحرية من نبتة خيزران في إحدى الأيام. كلا النص والفلم يحويان فعليًا نفس القصة والشخصيات. ولكن في حين أن المونوغاتاري – والتي لا نعرف عمرها على وجه التحديد، ولكن الناقدون يعتقدون أنها تعود إلى القرن العاشر على الأقل – تعد موجزة وقصيرة نسبيًا، فإن فلم تاكاهاتا يحاكي البساطة النثرية في الحكاية برسم ساحر استثنائي، بسيط ومتجاوز لحدود الزمان، بألوان مائية، بينما يضيف بعض الشخصيات ويملأ الفجوات باحساس عميق من الواقعية. استغرق تاكاهاتا وقت أطول بكثير مما استغرق العمل الأصلي في ازدهار كاغويا إلى فتاة بالغة، محولًا الحكاية وموسعًا إياها إلى عمل أدبي تكويني(2).  كاغويا هو أحد تلك الأعمال المشابهة لـ”ـبنجامين بتن” أو الحكايات الخرافية لأنجيلا كارتر المنقحة في “الحجرة الدامية”، حيث تُقتبس النصوص القصيرة وتُعبأ بالألم البالغ والقسوة القابعة تحت سطح النص الأصلي، لذا فمن الصعب لي إعادة مشاهدة كاغويا، حتى و إن كنت قادرًا على إعادة قراءة النص، لأن الفلم محزن جدًا.

يمكن اعتبار فلم “قلعة هاول المتحركة” هو الاقتباس الأدبي الأسهل تمييزًا من أعمال جيبلي بعد كاغويا، وهو عمل يعيد تكوين رواية ديانا وين جونز التي نُشرت عام 1986 بنفس الاسم. كان الفلم على حافة السقوط في العتمة إلى الأبد. ففي البداية أعلنت جيبلي عنه في عام 2001 كفلم من إخراج مامورو هوسودا، ثم قام الاستديو بتأجيل المشروع لستة أشهر حتى خَلُص مامورو واستديو جيبلي بأن رؤيتهما مختلفة تمامًا. ميازاكي، والذي حسب ما يُشاع كان أول من اقترح صناعة الفلم بعد زيارته لسوق الكريسماس في ستراسبورغ، تولى العمل على الفلم كمخرج. ولم تُدهش جونز برغبة ميازاكي بتبني الرواية. حيث أن نثرها الروائي كان فائق الجمال، بدمجه بين الغرابة والواقعية، وهو يستدعي إلى الذهن أعمال أنجيلا كارتر ونارنيا لسي. إس. لويس، إنه الصنف الأدبي الأبلغ تعبيرًا لأسلوب الواقعية السحرية، أسلوب، رغم أني لا أحب هذا المصطلح، يصف بوضوح العديد من أعمال ميازاكي. وبالطبع، بعد أن أن عرفت عن رغبة ميازاكي بنقل كتابها إلى الشاشة، قالت جونز “إني لأتصور أن ميازاكي قد عزم أمره فورًا بشان كيفية رسم وبعث الحياة في عفريت نار”. يعد الفلم أبسط من رواية جونز من ناحية القصة، وأيضًا، كما في “قلعة كاغليوسترو”، فإن ميازاكي يلطف الجوانب القاسية والحادة من كل الشخصيات تقريبًا، جاعلًا، على سبيل المثال، إحدى أكثر الشخصيات أيقونية في الفلم، كَالسِفر عفريت النار، شخصية أكثر تعاطفًا، وأقل تسرعًا في إصدار الأحكام عما هي عليه في كتاب جونز. هاول أيضًا، يُصور كشخص ألطف قليلًا، ففي كلا الكتاب والفلم، يتخيل سكان البلدة هاول بكونه شخص وحشي وملاحق للنساء. وفي الرواية، يقارنه النمامون بذي اللحية الزرقاء ويتهم بالقبض على الفتيات و “امتصاص ارواحهم”، ولكن حين ظهر هاول للمرة الأولى في الفلم، وبعكس الرواية، قام بإنقاذ صوفي من ملاحقي نساء حقيقيّين: جنود فاسقون. حيث يدعو أحد الجنود صوفي بالفأرة، أما في الكتاب، فقد كان هاول نفسه متنكرًا هو الذي يدعو صوفي بذلك في ظهوره الأول. بشكل عام، فإن أجواء الفلم أخف وأقل سخرية من الرواية، مع أن الفلم يركز في الكثير من المشاهد على مناهضة ونقد الحروب(مما يتقارب مع وحشية أول جندي يتواصل مع صوفي). وبينما يسهل التعرف على عمل جونز الأصلي بالفلم، فإن تعديل ميازاكي كان كافيًا بجعل الفلم يقف بتفرد وانفصال، كقلعته الخاصة المتحركة.

يمكن قراءة فلم ميازاكي الأخير، “الرياح تهب”، كفلم يحكي عن الحرب العالمية الثانية في اليابان مبني بصورة بسيطة على قصيدة بول فاليري في 1922 بعنوان ” المقبرة البحرية ” والتي أخذ الفلم عنوانه من أحد أبياتها، ومبني أيضًا على رواية “وقد هبت الرياح” لعام 1937 من تأليف تاتسو هوري(والتي أخذت عنوانها أيضًا من قصيدة فاليري). وبصورة عامة فمن الواضح أن العمل يصور بشكل جزئي سيرة ذاتية للمهندس جيرو هوريكوشي الذي صمم طائرة المقاتلة صفر الشهيرة. ومع ذلك، فإن “الرياح تهب” يعد أيضًا عملًا تأمليًا لمعاني القصيدة ومواضيعها. فالراوي في قصيدة فاليري، الغارق بأفكاره في حوار داخلي عميق عند المقبرة، يتفكر ويتصور بأسى مع افتتاحية القصيدة في حتمية الموت واستحالية الفرار منه. ولكن بعد ذلك، يقرر اختيار الحياة، وهو قرار يرمز له بحركة هبوب الرياح وعلوها، عوضًا عن التأمل في الموت الساكن. هذه رسالة الفلم الجوهرية، مع جيرو الذي يصارع فشلًا تلو آخر لإنتاج طائرة حربية قابلة للعمل. وبالطبع، فإن السطور الأخيرة من كلمات ناوكو محبوبة جيرو قد تم اقتباسها بصورة شبه مباشرة من قصيدة فاليري، فهي تخبر جيرو بوجوب محاولته للعيش، تمامًا كما يقول ذلك راوي القصيدة على إثر الشطر الأول من البيت الذي منح الفلم عنوانه “الرياح تهب، فلنحاول أن نعيش!”.

ولكن الطيارون في مقاتلات جيرو يقبعون في النهاية وحيدين في المقبرة، كما تقبع آلاته المدهشة. وكما أن رواية تاتسو تحكي قصة حب تقع في مصحة لمرضى السل، فإن ناوكو تسعى باحثة عن الحب بينما تعاني من المرض. يطلب منا فلم ميازاكي الأخير بأن نختار الحياة، ولكنه يفعل ذلك بينما يحيط نفسه بالموت.

*     *     *

“إن المبدأ الكامن…” كما قال ميازاكي في 2005 :”…في تصوير الشر ومن ثم القضاء عليه، أدرك بأنه يعد التوجه السائد، ولكني أعتقد أنه مفهوم بغيض” لربما تكون هذه العبارة أفضل ما يلخص السر الأدبي في دراسة أفلام مخرجي جيبلي، فأعمالهم معقدة وغير تقليدية، غالبًا كالأدب الذي يقتبسون منه.

وكل هذا يعكس حقيقة أوسع وأشمل: إن أشكال الفن متصلة دائمًا. فالفلم لا يعد فلمًا فقط، ولا الكتاب يعد مجرد كتاب؛ إنها كنسيج معقد من طبقات متعددة لتراث فني متسلسل يعود للماضي. أفلام جيبلي والنصوص التي تبنتها قد ملأت عالمي في مراحل مراهقتي ونضجي. وأنا أحبهم بعمق، كما الأصدقاء القدامى الذين يسكنون بعيدًا ولكن حين نلتقيهم مجددًا نشعر كما لو أنهم لم يرحلوا أبدًا.

The Magic of Miyazaki’s Literary Imagination – Lithub

___________
(1) In-Betweener
(2) Bildungsroman: شكل من أشكال الروايات يركز على النضج الأخلاقي والنفسي للشخصية الرئيسة.

عن Nada .