الرياح تهب: فلم يحكي عن الجمال

“كلما أردته، هو صنع شيء جميل”

كان فلم الرياح تهب أفضل جواب على سؤالي “لماذا حظي ميازاكي على كل تلك الشهرة؟”.  صعقت عند مشاهدتي للفلم لأول مرة، الأمر الذي جعلني أكرر مشاهدته مرارًا وتكرارًا، وكل مرة أشاهده أصعق من جديد. الفلم على الرغم من أنه لم يرتفع عن معايير قيبلي، لكنه كان مميّزًا عنها في نفس الوقت، فعندما اقترح منتج قيبلي السيد سوزوكي أن يكون فلم ميازاكي القادم مقتبس من المانقا The wind has risen التي رسمها ميازاكي بنفسه، والتي اقتبست من مذكرات Jiro Horikoshi . ميازاكي رفض في البداية، كون الفلم غير مناسب للأطفال. لكن انتهى الأمر بموافقته بعد أن أقنعه أحد العاملين داخل الأستديو عندما قال له “لما لا نصنع شيئًا يفهمه الأطفال لاحقًا؟”. بالإضافة إلى أن ميازاكي تأثر بمقولة Jiro: “كلما أردته هو صنع شيءٍ جميل”، فميازاكي يقدّر جدًّا Jiro Horikoshi لدرجة أن The Wind Rises هو الفلم الوحيد -من التي أخرجها- جعله يتأثر لدرجة ذرف الدموع.

the wind rises 8

the wind rises 9

على الرغم من أن فلم الرياح تهب كان واقعيًّا، لكن هذا الأمر لم يكن حاجزًا لميازاكي لأن يستغل كل فرصة سانحة له لكسر تلك الواقعية، النتيجة كانت دمج رائع بين خيال ميازاكي الخصب، وواقعية القصة. هذا الدمج الفريد لا نراه عادة إلا في أفلام Satoshi Kon و Isao Takahata.

أكثر ما أعجبني في هذا الفلم استخدام ميازاكي للصمت بشكل متقن، فميازاكي يتقن بشكل رائع استخدام الموسيقى، وبنفس درجة الإتقان يستخدم الصمت، وهذا الشيء ستجده في كل أفلامه، خصوصًا عند عرض مشاهد الـ Establishing Shot (مشاهد تستخدم لتعريف المشاهد على مكان الحدث). لكن في فلم الرياح تهب، استخدمه ميازاكي بشكلٍ مختلفٍ تمامًا عن باقي أفلامه، نجد هذا الشيء مثلًا في هذا المشهد.

حرق

 

استخدم ميازاكي الصمت أيضًا لكي يعطي قيمة الدمار أثرًا أكبر على حس المشاهد، وهذا يثبت أن الفلم لم يكن مناقضًا لقِيَم ميازاكي، خاصةً كرهه للحروب والدمار. على الرغم من ذلك، الكثير من الانتقادات على الفلم كانت حول تعزيزه لتلك المافيهم.

من الأشياء التي أعجبتني في الفلم استخدام ميازاكي المتقن لأنواع اللقطات، في هذا المشهد مثلًا استخدم ميازاكي نوعين من اللقطات وهما Extreme Long Shot (اللقطة الواسعة جدّا)، والـ Close-up Shot (لقطة قريبة من الهدف).

استخدام ميازاكي للقطة الـ Extreme long Shot كان لعرض مدى ضخامة الطائرة الألمانية، نلاحظ أنه تم تجنّب الحوارات في هذ المشهد، وبدلًا من ذلك استخدم موسيقى تصويرية. لماذا أعتبر هذا المشهد درس لكثير من مخرجي الأنمي؟ لأنه لم يعطي المشاهد الفرصة لاستعشار ضخامة الطائرة فحسب، بل ساعد في ذلك أيضًا، كاستخدام هذا النوع من الموسيقى، استخدام هذا النوع من اللقطات، استخدام الرجل الذي في أسفل الإطار لجعل المشاهد يتخيّل ضخامتها بمقارنة حجمها مع حجم الرجل الطبيعي.

لو قمنا بمقارنة هذا المشهد، بمشهد من الحلقة الأولى من Neon Genesis Evangelion، لو جدنا العكس تمامًا. على الرغم من مشهد NGE رسم بشكل رائع، الموسيقى رائعة، المشهد جميل، لكن المخرج لم يستغل كل هذا واستعمل الحوارات التي تقطع تأمّل المشاهد وتزعجه، لبرهنة أن المشهد جميل، على الرغم من أنه لا يتطلّب البرهنة على ذلك. 

نلاحظ أن ميازاكي استخدم لقطة  Close-up (لقطة قريبة من الهدف) مع اقتراب الكاميرا نحو مقدمة الطائرة، وذلك لأن تركيز جيرو كان منصبًّا عليها تحديدًا، والمخرج أرادك أن تشعر بنفس الشعور، فاستخدم هذا النوع من اللقطات بالإضافة إلى استخدامه للصمت.

ذكرت من قبل أن ميازاكي دمج بشكل رائع الخيال مع الواقع، في هذه اللقطة تحديدًا استطاع ميازاكي أن يفعل مالم يستطع فعله من قبل في فلم Spirited away، حيث ذكر في أحد اللقاءات أنه كان يريد دخول مختلف لعالم القصة، ليس كما حدث في الفلم (حيث كان الدخول تقليدي جدًّا من خلال باب يفصل بين العالمين)، اللقطة في The Wind Rises كانت دخول فريد جدًّا لحلم جيرو، قام ميازاكي بدمج رائع جدًّا بين الواقع وخيال الشخصية، لدخول لذلك الحلم. الانتقال الذي استخدمه ميازاكي لدخول حلم جيرو يسمّى contrasting cut (يكون الـ Cut الأول هادئ، والـ Cut الثاني مزعج، أو العكس) وهو انتقال يستخدم في بعض الأحيان للإنتقال من الحلم لليقظة أو العكس، بطريقة تجعل المشاهد يدرك ذلك بشكل غير مباشر.

هذا المشهد يعتبر من أشهر مشاهد الفلم، الكثير من الأسباب تجعله كذلك، منها قوّة الستوريبورد ودمجه بين الخيال والواقع، واستخدام هذا النوع من الموسيقى، لكن الـ Keyanimation الخاصة بـ Shinya Ohira هي التي سطعت في النهاية !

استخدام الموسيقى في هذا المشهد يذكرني بالأعمال الكلاسيكية الغربية، على سبيل المثال أحد أعمال WB في الثلاثينات. ولو أن الموسيقى لم تكن متزامنة تمامًا مع الحركة، لكن يظل استخدامها جميل.

الفلم التزم بمعايير قيبلي التي نراها في أغلب الأفلام التي انتجها الاستديو، مثل جودة الأنميشن العالية (عمل على الفلم عدد لا بأس به من المحرّكين الرائعين)، الخلفيات التي عمل عليها الـ Art Director السيّد Youji Takeshige Kazuo Oga والذي نراه في أغلب أفلام قيبلي. الملحّن Joe Hisaishi، وغيرهم.

مايميّز هذا الفلم (وغيره من أفلام ميازاكي) هو الشخصيّات. ولا أقصد هنا نوعيّتها، ولكن كيفية تعامل المخرج معها. شخصيّات ميازاكي عفويّة جدًّا، والمشاعر التي تخرج منها بسيطة للغاية، مما يجعلها حقيقية وأكثر صدقًا بالنسبة للمشاهد. ناوكو مثلًا عندما وقعت في حب جيرو لم تقل “ماهذا الشعور ياترى؟” كما يحدث عادة  في أعمال الشوجو. لن تجد مثلًا بساطة العلاقة بين الأختين ساتسوكي ومي في فلم جاري توتورو في أغلبية أعمال الأنميشن اليابانية، أو عفوية علاقة هاكو وتشيهيرو من فلم المخطوفة. كل هذه الأشياء جعلت برأيي، شخصيّات ميازاكي أكثر صدقًا وواقعية بالنسبة للمشاهد.

من أكثر المشاهد التي أعجبتني في فلم الرياح تهب هذا المشهد تحديدًا. بعض الأسباب برأيي ساعدت على ذلك منها خطاب جيرو المؤثر، انفعالات الشخصيّات بشكل مذهل والتي جعلتك تتفاعل معها، كأنك جالس بينها. وأخيرًا دمج خيال الشخصيّات مع الواقع، هذا الأسلوب المؤثر، كان له تأثير كبير على المشهد.

حرق

“كلما أردته هو صنع شيء جميل”

تؤثر ميازاكي بمقولة جيرو كان واضحًا في الفلم، الشيء الذي برأيي، جعل كل مافي الفلم جميلًا.

عن MMMTGO

  • Nada

    كلام رائع و يعبر فعلًا عن الفلم ، اعجتني التفاصيل كلها و استرجعت مشاعر جميلة حسيت فيها لما شفت الفلم سابقًا .. استمروا ❤